الأحد، 13 ديسمبر 2015

محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد :
& مقدمــة:
       فإن الله عز وجل افترض على العباد طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم ومحبته وتوقيره والقيام بحقوقه ، فقام الصحابة والصالحون بأداء هذا الفرض حق قيام وظهر من حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما جعلهم يفدونه بكل عزيزٍ وغالٍ حتى إذا دب الضعف في هذه الأمة فظهر التفرق والاختلاف وظهر الغلوّ في رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أخرجوه من نطاق البشرية إلى مرتبة الألوهية وزعموا أنهم بذلك يريدون إظهار حبه وتعظيمه ولم يعلموا أن المحبة شئ مختلف تماماً عن الغلو ، فالأول فرض عين والثاني ضلال مبين . ولم يعلموا بأن أهم علامات حبه صلى الله عليه وسلم اتباعه في أفعاله وأقواله وسنته .
قال ابن القيم رحمه الله(لما كثر المُدّعون للمحبة ، طولِبوا بإقامة البيّنة على صحة الدعوى ، فتأخر الخَلق كلُهم وثبت اتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه ) مدارج السالكين(3/8)
*أما أسباب اختيار هذا الموضوع ( محبة الرسول بين الاتباع والابتداع) فهــي :
1- كون محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ركناً أصيلاً من أركان الإيمان فأردت أن أبين مكانة المحبة من الإيمان وحكمها وثمراتها وأسباب تقويتها
2- لأن بعض المسلمين يتسترون وراء الدعاوي لهذه المحبة فأردت أن أبين الشواهد والعلامات الصادقة لهذه المحبة ليتبين الصادق من الكاذب .
3- لأن بعض المسلمين ظنوا أن من لوازم المحبة الغلو فيه صلى الله عليه وسلم ، فأردت أن أبين أن المحبة شئ مختلف تماماً عن الغلو .
4- ولظهور كثير من البدع التي شوهت معالم الدين عند كثير من المسلمين بسبب الغلو ، فأردت أن أبين آثار الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم .
5- ولشعورنا بالتقصير في محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، فأردت أن أبين أين نحن من محبة النبي صلى الله عليه وسلم .

*وهذه أهم عناوين الموضوع :
1- مفهوم المحبة
2- حكم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم
3- محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم
4- علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم
5- ثمرات محبة النبي صلى الله عليه وسلم
6- أسباب تقوية محبة النبي صلى الله عليه وسلم
7- محبة الرسول بين الاتباع والابتداع ومسألة الغلو فيه
8- أين نحن من محبة الرسول واتّباعه

1- مفهوم المحبة : في اللغة : المحبة اسم للحب وهو صفاء المودة وميل القلب
ومحبة الرسول معناها : أن يميل قلب المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث يؤثره على كل محبوب من نفسٍ وولدٍ ووالدٍ والناس أجمعين ، وهذه المحبة لرسول الله تربط المسلم به وتجعل قلبه وهمّه وإرادته متوجهةً لتحصيل ما يُحبه الله ورسوله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة .

2- حكم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم : ان محبته أصلٌ من أصول الإيمان وواجب من الواجبات الشرعية كما أن بغضه ناقضٌ من نواقض الإيمان الاعتقادية . وتتفاوت درجة الشعور بهذا الحب تبعاً لقوة الإيمان أو ضعفه ، وكمال الحب من كمال الإيمان ، ونقص الحب من نقص الإيمان ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "" لا يؤمن عبدٌ حتى أكونَ أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين "" رواه مسلم عن أنس(69) وهذا الحديث من أوضح الأدلة على وجوب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه لا يكمُل الإيمان إلا به.وعند البخاري(6632) عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: كنّا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ، فقال عمر: يا رسول الله لأنت أحبُ إليّ من كل شئ إلا من نفسي ، فقال له النبي " لا،والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك " فقال له عمر : فإنه الان ، والله لأنت أحب إليّ من نفسي ،فقال النبي"" الان يا عمر"" فتح(11/523) وهذا الحديث يدل على أنه لا يبلغ المسلم حقيقة الإيمان حتى يكون الرسول أحب إليه من نفسه .

3- ثمرات محبة الرسول صلى الله عليه وسلم : منها:
1- الشعور بحلاوة الإيمان ولذة الطاعة : ففي الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"" ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحبُ إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار "" (خ16/م43) قال النووي رحمه الله ( حلاوة الإيمان أي استلذاذ الطاعات وتحمل  المشاق في الدين )
2- مرافقته في الآخرة : روى مسلم عن أنسٍ قال : جاء رجلٌ إلى رسول الله فقال يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ فقال: حب الله ورسوله ، قال:"" فإنك مع من أحببت "" قال أنس : فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكرٍ وعمر ، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم . (خ6168/م 2639) قال الحسن البصري ( أنه من أحب قوماً اتبع آثارهم ، ولن تلحق بالأبرار حتى تأخذ بهديهم وتقتدي بسنتهم وتأخذ طريقهم وإن كنت مقصراً في العمل فإنما ملاك الأمر أن تكون على استقامةٍ ) استنشاق نسيم الأُنس لابن رجب صـ87

4- أسباب زيادة محبة النبي صلى الله عليه وسلم : يرتبط الحب في القلب بما يحركه من أسباب ودواعي ، ومع وجود هذه الأسباب يزداد الحب ويقوى حتى يصل إلى مرتبة الكمال .
 وأهم الأسباب لزيادة حبه صلى الله عليه وسلم
1- معرفة خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته ومنها :
أ- أن الله عز وجل أحبه واختاره من خلقه ، فحب ما يُحب الله من لوازم محبته .
ب- كمال رأفته ورحمته بأمته وحرصه على هدايتها وانقاذها من الهلكة ، حتى قال الله عنه ) حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم( التوبة128 ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ( أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى في عيسى عليه السلام ) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم( فرفع يديه وقال "" اللهم أمتي أمتي "" وبكى ، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك ) مسلم(1/191) . وبوّب عليه النووي بقوله ( باب دعاء النبي لأمته وبكائه شفقةً عليهم ).
ج- ومن صفاته : كمال نصحه لأمته وهدايته لها وإحسانه إليها لأنه صلى الله عليه وسلم دلَّ هذه الأمة على كل خير يُقربها إلى ربها وحذرها من كل شر يجلب لها الذل والخِزي في الدنيا والآخرة .
2- ومن أسباب زيادة المحبة : تذكُرُه ومعرفة أحواله صلى الله عليه وسلم : فإذا أراد المسلم أم يزداد حبه لرسول الله فلابد له من معرفته ومعرفة جوانب شخصيته وأخلاقه وذلك بمطالعة سيرته وشمائله وأعماله وسننه والقراءة لكتب الحديث وحضور مجالس أهل الحديث ومصاحبتهم .
3- الوقوف على هديه صلى الله عليه وسلم والاشتغال بالسنة قولاً وعملاً ودعوةً: فإذا جعل المسلم رسوله أمامه في كل أمرٍ يقوم به من أمور الدين وتمسك بهديه وسنته ، كلما ازداد حبه له صلى الله عليه وسلم
4- ومن أهم أسباب زيادة المحبة: كثرة الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم . قال تعالى) يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما(  الأحزاب(56) والصلاة عليه واجبة عند ذكره ، على الأرجح
5- ومن أسباب زيادة محبة النبي : طلب العلم الشرعي والتفقه في دين الله تعالى وذلك بدراسة القرآن وعلومه والحديث وعلومه ، وكل علمٍ يخدمهما .

5- مظاهر وعلامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم : حب النبي صلى الله عليه وسلم  محدد بعلامات تؤكد صدقه، وآثار تظهر على من اتصف به ، وبينات يُظهرها المدّعي حتى يتميز الصادق من الكاذب  وأهم هذه العلامات والآثار هي:
1- امتثال أوامره واجتناب نواهيه صلى الله عليه وسلم : وهذا هو أقوى شاهد على صدق الحب وإلا تكون الدعوى كاذبةً . قال القاضي عياض رحمه الله ( فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامات ذلك عليه وأولها الاقتداء به واستعمال سنته واتباع أقواله وأفعاله والتأدب بآدابه في عُسره ويسره ) الشفا(2/571) فأين نحن من تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه وهو القائل صلى الله عليه وسلم "" ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"" متفق عليه، فتح(13/219) م(1337)
2- اتباع سنته صلى الله عليه وسلم . قال تعالى) لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ( الأحزاب(21)
3- التحاكم إلى شريعته في جميع شؤون الحياة . قال تعالى ) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ( النساء(65)
4- الشوق إلى معرفة شريعته بطلب العلم النافع من الكتاب والسنة .
5- محبة من أحب وعداوة من عادى ، وخاصةً محبة قرابته وأزواجه وأصحابه .
6- نصر سنته والذّب عن شريعته : قال القاضي عياض(ومن محبته نُصرة سنته والذّب عن شريعته) شرح النووي لمسلم(2/16)         
7- الصلاة والسلام عليه عند ذكره صلى الله عليه وسلم .
8- تعظيمه وتوقيره والأدب معه صلى الله عليه وسلم : وأساس التعظيم له هو تصديقه وطاعته والتأدب معه ، فمن أخلّ بذلك لم يُعظمه ، والإخلال يأتي من أمرين أولهما الجفاء والتفريط في حقوقه كالطعن في صدقه وأمانته وعدم التأدب مع سنته وترك الصلاة والسلام عليه حين يُذكر والاستهانة بهديه وسنته قلة المبالاة بها وعدم مذاكرة سنته صلى الله عليه وسلم . والأمر الآخر الذي يأتي منه الإخلال بتعظيمه : الغلو فيه ورفعه فوق مرتبته كالاعتقاد أنه يعلم الغيب مطلقاً أو أن وجوده سابق لهذا العالم وأنّ من نوره خُلق الكون كله ، إلى غير ذلك من الاعتقادات الباطلة التي لم ترد في كتابٍ ولا في سنة .
9- ومن علامات حبه صلى الله عليه وسلم : النصيحة له : وفي الحديث الصحيح " الدين النصيحة ، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم "" متفق عليه .
 قال النووي رحمه الله ( وأما النصيحة لرسول الله فتصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به وطاعته في أمره ونهيه ونُصرته ومعاداةُ من عاداه وموالاة من والاه وإحياء طريقته وسنته وبث دعوته ونشر شريعته والدعوة إليها والتأدب بآدابه ومحبة أهل بيته وأصحابه ، ونحو ذلك ) شرح  صحيح مسلم(1/38)
10- ومن مظاهر محبته : كثرة تذكره وتمني رؤيته والشوق إلى لقائه : في صحيح مسلم (2178)  عن أبي هريرة أن رسول الله قال "" مِن أشدّ أمتي لي حباً ناسٌ يكونون بعدي يَودُّ أحدهم لو رآني  بأهله وماله "" فمن ظهرت عليه هذه العلامات والآثار فهو المحب الصادق .

6- محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم : يُعِّبر عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله عندما سُئل: كيف كان حبكم لرسول الله؟ قال( كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ ) فكيف كان حبهم رضي الله عنهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم؟
1- أبو بكر الصديق رضي الله عنه : في صحيح البخاري عن عائشة قالت( بينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة ، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر : فداءٌ له أبي وأمي ، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمرٌ ) قالت عائشة : فجاء رسول الله فاستأذن فأذن له فدخل ، فقال أبي بكر : أخْرِج من عندك ، فقال أبو بكر : إنما هم أهلُك بأبي أنت يا رسول الله ، قال : فإني قد أُذِن لي في الخروج ، فقال أبو بكر : الصحابة بأبي أنت يا رسول الله ، قال رسول الله : نعم ) خ(3905) فتح(7/231) قال ابن حجر ( زاد ابن اسحاق في روايته : قالت عائشة: فرأيت أبا بكر يبكي وما كنت أحسب أن رجلاً يبكي من الفرح ) وعند البخاري عن أبي سعيد قال ( خطب رسول الله الناس وقال"" إن الله خيَّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله "" قال : فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه ، فكان رسول الله هو المُخير وكان أبو بكر أعلمنا ) خ(3654) فتح(7/12) وفي روايةٍ عن معاوية ( قلم يلقنها إلا أبو بكر فبكى وقال : نفديك بآبائنا وأمهاتنا ) المجمع (9/42) وإسناده حسن . ولما حضرت أبا بكر الوفاة قال( أيُ يومٍ هذا؟  قالوا : يوم الاثنين ، قال : فإن متُ من ليلتي فلا تنتظروا بي إلى الغد فإن أحب الأيام والليالي إليّ أقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) رواه أحمد عن عائشة وصححه أحمد شاكر ، المسند(1/173)
2- أما عمر بن الخطاب: فقد روى البخاري قصة استئذانه من عائشة في أن يُدفن مع رسول الله وأبي بكر في غرفتها فقالت( كنت أُريده لنفسي ولأُوثِرنّه به اليوم على نفسي) ففرح عمر وقال(الحمد لله ، ما كان من شئ أهم إليّ من ذلك فإذا أنا قضيت فاحملوني ، ثم سلم فقل: يستأذن عمر ، فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني رُدوني إلى مقابر المسلمين ) خ(3700) فتح(7/60)
3- الأنصار يفرحون بمقدمه صلى الله عليه وسلم في الهجرة : في صحيح عن عروة بن الزبير (وسمع المسلمون مخرج رسول الله من مكة فكانوا يغدون كلّ غداةٍ إلى الحرّة فينتظرونه حتى يردهم حرُّ الظهيرة ) خ(3906) وفي مسند أحمد أنهم كانوا زهاء خمسمائة من الأنصار ـ الفتح الرباني(20/292) وقول أنس ( فما رأيت يوماً قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله وأبو بكر المدينة ) أحمد الفتح(20/290) ويقول البراءُ بن عازب(فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله)خ(3925)
4- في صحيح سنن النسائي(2951): إثنا عشر صحابياً يفدون رسول الله في غزوة أحد فيموت الأحد عشر ويبقى طلحة بن عبيد الله ،وتُقطّع أصابعه ثم يرد الله المشركين. وعن قيس قال( رأيت يدَ طلحةَ شَلاّء وقي بها النبي يوم أحد) خ(4063) وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد بكى ثم قال( ذلك كله يوم  طلحة) فتح الباري(7/82) وفي الصحيحين قال أنس عن يوم أحد( ويشرفُ نبي الله ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تُشرِف لا يُصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك)
5- يقول عمرو بن العاص رضي الله عنه ( ما كان أحد أحب إليّ من رسول الله ولا أجلّ في عيني  منه ، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له ، ولو سُئلت ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه صلى الله عليه وسلم )
6- روى مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال ( كنت أبيت مع رسول الله فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سَلْ ، فقلت : أسألك مرافقتك في الجنة ، قال : أَوَ غير ذلك ، قلت : هو ذاك ، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود ) مسلم (489)
7- قالت عائشة رضي الله عنها( جاء رجل إلى النبي فقال : يا رسول الله إنك لأحب إليّ من نفسي  وإنك لأحب إليّ من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك ، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رُفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك ) فلم يرد عليه النبي حتى نزل جبريل بالآية ) ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم  من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين( النساء(69) ) رواه الطبراني وأبو نعيم ـ مجمع الزوائد(7/7)

7- محبة الرسول بين الاتباع والابتداع : علمنا مما سبق أن من أهم علامات حبه صلى الله عليه وسلم إتباعه في أمره ونهيه ، وأن من أهم نواقض المحبة الإبتداع بدعوى محبته صلى الله عليه وسلم ، فما الفرق بين الاتباع والإبتداع؟
1- مفهوم الاتباع :
* اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هو الاقتداء به في أقواله وأفعاله على الوجه الذي جاء به .
* والله عز وجلّ أوجب على العباد اتباع أمره وحذرهم من مخالفته وعصيانه ، قال تعالى ) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون(الأنفال(20) وقال تعالى) وماآتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)  الحشر(7)
فتبين لنا أن اتباع الرسول أمر واجب وفرض عينٍ على الأمة كلها .
* أما مظاهر الاتباع فهي نفسها مظاهر وعلامات حبه صلى الله عليه وسلم .
2- مفهوم الإبتداع : بدعوى محبة الرسول ، وسبب الابتداع هو الغلو في رسول الله ، فما هو الغلو مع ذكر أمثلة عليه؟ وما هي أنواعه ؟ وما هي آثار الغلو في الرسول على الاعتقاد والأعمال؟ وما  هو حكم الغلو في رسول الله ؟ وما هي البدع التي ظهرت بدعوى محبة الرسول ؟ وما هي آثار الابتداع بوجه عام على المسلمين؟
* أما الغلو : فيطلق في اللغة على مجاوزة الشيء حدّه الذي وضع له ، ويطلق في الشرع على مجاوزة حدود الشريعة عملاً واعتقاداً . والإسلام حرّم الغلو ونهى عنه : قال تعالى   ) لا تغلو في دينكم( النساء(171) والمائدة(77) قال القرطبي في تفسيرها ( نهى عن الغلو ، والغلو التجاوز في الحد ، ومنه غلا السعر يغلو غلاءً ، ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا  مريم ، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه رباً ) الجامع(6/21)  قال ابن تيمية (وقوله : إياكم والغلو في الدين ، عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال ) الإقتضاء(1/289)
  وقد وردت في الشرع ألفاظ تقارب الغلو في معناه مثل التشدد والتشديد والتعمق والتنطع والتكلف ، وكلها مرادفة للغلو وهي بمعنى مجاوزة الحد بالزيادة على المشروع، فمثلاً تعظيم الرسول مشروع طالما كان ذلك في حدود بشريته فإذا تجاوزنا بتعظيمه حدود بشريته صار غلواً ممنوعاً .
*والغلو : منه ما يكون في الاعتقاد ومنه ما يكون في العمل .
أ- الغلو في الاعتقاد : ويتمثل في مجاوزة حدود الاعتقاد الصحيح إلى الانحراف ، ونجد ذلك في آراء الفرق الكلامية التي فارقت أهل السنة والجماعة بنوع الاعتقاد ، ففي صفات الله تعالى نجد النُفاة والمؤولة غَلَو في تنزيه الله حتى عطلوه عن صفات الكمال ووصفوه بصفات المعدوم . ومن الغلو  في الاعتقاد غلو النصارى في عيسى وغلو بعض المتصوفة في الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ادّعوا أنه مخلوق من نور وأنه يتصرف في الأكوان ، وغلوهم في الصالحين ومشايخ الصوفية بإدعاء العصمة لهم والاستغاثة بهم ، وغلو الشيعة في عليّ رضي الله عنه ، فطائفة ادعت أنه إلــه وطوائف على أنه معصوم وهكذا .
ب- الغلو في العمل : ويقصد به ما كان واقعاً في دائرة الأحكام الشرعية الخمسة ، فمن جعل المندوب بمنزلة الواجب فقد غلا في الدين وجاوز الحد فيه ، ومن جعل المكروه بمنزلة الحرام أو جعل المباح مكروهاً أو محرماً فقد غلا ، فمن أوجب على نفسه قيام الليل كله فقد غلا ومن حرّم النكاح وأكل الطيبات زهداً وتعبداً فقد غلا ، ومن زاد على الثلاث في الوضوء فقد غلا ، وهكذا
انظر إلى كلام ابن تيمية في الاقتضاء(1/283) وكذك ابن القيم في مدارج السالكين(2/496)

* وأما أسباب الغلو فهي :
1- الجهل بالدين والجهل بحدود الشريعة التي يجب على المكلف أن يقف عندها ولا يتعداها ، والقصور في فهم مقاصد الشريعة من التيسير ورفع الحرج عن المكلفين .
2- اتباع الهوى وتحكيم العقل كما وقع بين طوائف المتكلمين والصوفية .
3- الاعتماد على الأحاديث الواهية والموضوعة التي وضعها الزنادقة والجهلة من الفرق الضالة .
* ومن أمثلة الغلو في الاعتقاد :
1- الغلو في الرسل عند اليهود والنصارى : فرفعوا الأنبياء فوق منزلتهم ووصفوهم بصفات  الألوهية ، أو يوصف النبي بأنه ابن الله ، ونهاهم الله عن الغلو هذا ، وفي ذلك تحذير لنا نحن المسلمين عن أن نسلك مسالكهم في الغلو ، وكذلك نهى الرسول أمته عن المبالغة في مدحه فقال "" لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله "" البخاري(4/204) ، ولكن طوائف من هذه الأمة وقعت في الغلو فيه .
2- الغلو في هذه الأمة : ففي هذه الأمة من غلا في عليّ وذريته وأنهم معصومون ، بل منهم من ادعى بأنه إله . ومن هذه الأمة من غلا في الرسول والأولياء من بعده كالغلاة من الصوفية الذين قالوا بالحقيقة المحمدية وهي أن محمداً خُلق من نورٍ قبل الكون ولأجله خلق الكون ، وأنه يعلم الغيب المطلق ، وهكذا .
*أما عن آثار الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم على الاعتقاد والأعمال والسلوك : فقد كان للغلو أكبر الأثر في إفساد حقائق الدين وتشويه معالمه :
أ- ففي الاعتقاد :
1- أدّى الغلو إلى الشرك واعتقاد أن محمداً شريك مع الله في الخلق والتدبير والألوهية وكشف الضر وجلب النفع وعلم الغيب وغيرها حتى قال البوصيري:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به

سواك عند حدوث الحادث العممِ
فإن من جُودك الدنيا وضرتها

ومن علومك علمَ اللوح والقلم

2- كذلك أدى الغلو بأصحابه إلى أن يعتقدوا بأن الرسول في كل العصور واحد هو محمد ، وهذا مخالف لاعتقاد عامة المسلمين وكذلك خالف الغلاة عقيدة المسلمين في كثير من العقائد منها أن أول ما خلق الله هو محمد ومنه خُلق كل شئ وأنه قرأ القرآن قبل جبريل وأنه حي يرى يقظةً لا مناماً وهذه العقائد مخالفة للنصوص الصريحة .
3- ومن آثار الغلو : فساد مفهوم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم : فصار معنى المحبة عند غلاة الصوفية عبادته ودعائه وتأليف الصلوات المبتدعة وعمل الموالد وإنشاد القصائد الشركية في الاستغاثة به وصرف وجوه العبادة إليه .
هذه بعض الآثار للغلو في رسول الله في إفساد عقيدة المسلمين في الله ورسوله .
ب ـ أما آثار الغلو في الرسول على العبادات الشرعية : فقد أدى الغلو إلى الانحراف بالعبادات عن وضعها الشرعي وابتداع عبادات ما أنزل الله بها من سلطان مثل الإيمان بالحقيقة المحمدية وقضاء الأعمار في الخُلوات والأذكار المبتدعة .
'  فما حكم الإسلام في الغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم :
   الله عز وجل نهى عن الغلو بأنواعه ، والنبي حذر الأمة ونهى عن المبالغة في مدحه حتى لا يُفضي ذلك إلى الغلو فيه كما غلت النصارى في عيسى بن مريم . وعن أبي داود عن عبد الله بن الشخيّر قال ( انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله فقلنا : أنت سيدنا ، فقال : السيد الله تبارك وتعالى ، قلنا : وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً ، فقال : قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستجرِينكم الشيطان ) صحيح الجامع الصغير(3/226) فكرِه رسول الله من أصحابه أن يواجهوه بالمدح لِئلا يُفضي ذلك إلى الغلو . وقد أنكر رسول الله على من قال له : ما شاء الله وشئت ، فقال له"" أجعلتني والله عدلاً ، بل ما شاء الله وحده "" كما أنكر على معاذ حينما همّ أن يسجد له ـ أحمد في مسنده .
كل هذه الأدلة وغيرها تدل على حرمة الغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومن الغلو ما هو من الكفر الصريح كقول صاحب كتاب النفحات الأقدسية صـ9 ( فشأن محمدٍ في جميع تصرفاته هو شأن الله تعالى)
'  وأما البدع التي ظهرت بدعوى محبة الرسول: لقد كان من أكبر آثار الغلو في الرسول ظهور البدع في العقائد والعبادات والتي أظهرها المبتدعة بدعوى حبهم للرسول فجعلوا المحبة مبرراً لهم في صنيعهم وكلما مضى الزمان ازدادت البدع ، وهذه نماذج منها :
1- إدعاء الصوفية أنهم يرون الرسول صلى الله عليه وسلم يقظةَ " فهم يعتقدون بحياة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته حياةً تامةً لها كل خصائص الأحياء ، ولذلك قالوا بأنهم يرونه يقظةً ويجتمعون به ويرشدهم في طريقتهم ، وأنه يحضر حضراتهم وموالدهم . وعلى هذه البدعة أسست طرق صوفية كثيرة سُميت بالطرق المحمدية مثل الطريقة التيجانية والطريقة الأحمدية وغيرها . وهذه البدعة مخالفة للنصوص وإجماع الأمة على وفاته صلى الله عليه وسلم
2- التوسل غير المشروع بالنبي صلى الله عليه وسلم  وبجاهه : ويُدخلون في هذا التوسل الاستعانة به وطلب الحاجات منه ، فإذا أثبتوا التوسل بالنبي فلا مانع أن يتعدى ذلك إلى الأولياء من بعده . والحقيقة أن التوسل بالنبي ثلاثة أقسام :
أ- توسل بالإيمان برسول الله وطاعته ، وهذا فرض عين على كل مسلم والإيمان عمل صالح .
ب- توسل بدعائه وشفاعته في حياته كما كان يفعل الصحابة معه من طلب الدعاء منه والاستغفار  لهم وطلب السقيا ، وهذا النوع لا يجوز إلا في حياته لعدم وجود دليل عليه ولا فعل صحابي ولا إمام
ج- توسل بذاته وسؤال الله بجاه نبيه ، وهذا توسل غير مشروع ولم ترد به سنة صحيحة ولا فعل صحابي لا في حياته صلى الله عليه وسلم ولا بعد موته .
وهذا هو التوسل المقصود عند غالب المتأخرين من الصوفيه والمقلدة لهم .
3- بدع متعلقة بزيارة قبره صلى الله عليه وسلم  المشروع في زيارة قبره أن يأتي المسلم إلى المسجد النبوي ويصلي فيه ثم يسلم على رسول الله وأبي بكر وعمر ، كما كان يفعل عبد الله بن عمر إذا قدم من سفر . ولكن الناس ابتدعوا في باب زيارته بدعاً كثيرة منها :
أ- اعتقاد أن زيارة قبره صلى الله عليه وسلم واجبةً بل انها مكملة لمناسك الحج ، وهذا الاعتقاد بسبب الجهل بأحكام الدين وكذلك الاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعه .
ب- الدخول إلى المسجد النبوي كهيئة المستأذن من الرسول للدخول عليه .
ج- إلتزام كيفية معينة في زيارة قبره من حيث الوقوف والسلام والدعاء ، فيقف كهيئة المصلي ويدعو مستقبلاً القبر وليس القبلة ورفع الصوت بذلك .
د- التمسح بالحجرة وتقبيل شباكها واستلامه والطواف بها .
هـ- اعتقاد الزائر أن الرسول يعلم خواطره ونياته وهذا من الغيب الذي استأثر الله بعلمه .
و- اتخاذ قبره عيداً : أي يعتاد التردد عليه والازدحام عنده أو تخصيص وقت معين للزيارة .
ز- الاعتقاد بأن النظر إلى الحجرة الشريفة عبادة .
ح- الاستغاثة بالرسول وبث الشكوى إليه .
4- ومن البدع بسبب الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم بدعة المولد في شهر ربيع الأول وجعله عبادة شرعية وقُربة إلى الله: ومنهم من يسميه عيداً ومعلوم أن الأعياد الشرعية يومان الفطر والأضحى . والسلف الصالح لم يفعلوا ذلك مع أنهم أشد الناس حباً لرسول الله ، وهم أعرف الناس بحقوقه ، وعمل المولد يتضمن أموراً منهياً عنها شرعاً كإنشاد القصائد الشركية والغلو فيه وتشويه صورة الدين بأعمال الخرافيين والدجالين. وهناك بدع أخرى بسبب الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم
وأخيــــرا : مما سبق علمنا وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم  وثمراتها ، وتعلمنا مفهوم المحبة وكيف  أحب الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستعرضنا علامات محبة النبي { وما هي أسباب تقوية هذه المحبة ، ورأينا الفرق بين الاتباع والابتداع في محبة النبي صلى الله عليه وسلم  وذكرنا  أن أهم أسباب الابتداع هو الغلو فيه صلى الله عليه وسلم ، وما هي آثاره وما هو حكمه .
' فأين نحن من إيمانه وعبادته وأخلاقه صلى الله عليه وسلم ؟
'  هل علّمنا أهلينا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
'  وهل علمناهم سنته وهديه وشمائله صلى الله عليه وسلم؟
'  وهل امتثلنا أوامره واجتنبنا نواهيه ؟
'  هل تحاكمنا إليه في منازعاتنا وخلافاتنا ومشاكلنا؟
'  هل نصرنا سنته وعملنا بها وعلمناها للناس؟

أسأل الله العظيم أن يرزقنا حبه وحب نبيه صلى الله عليه وسلم

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


الأربعاء، 4 نوفمبر 2015

هل تُقضَى الصلواتُ الفائتةُ عمداً

ليس من خلُق المسلم أن يتعمَّدَ قطع الصلةِ بينه وبين خالقه عزّ وجلَّ ، وممّا لا شك فيه أن تاركَ الصلاةِ عمداً حتى يخرجُ  وقتُها قد قطع هذه الصلةَ . فعن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " بين الرجل وبين الكفرِ تركُ الصلاة " مسلم وأحمد صحيح الترغيب (560) . وعن عبد الله بن شقيق قال (كانَ أصحابُ محمد صلي الله عليه وسلم لا يرونَ شيئاً من الأعمال تركُه كفرٌ غيرَ الصلاة) الترمذي – صحيح الترغيب (562) . وعن نوفل بن معاوية أن النبي صلي الله عليه وسلمقال (من فاتته صلاةٌ ، فكأنما وترَ أهلَه ومالَه) ابن حبان – صحيح الترغيب (574) . قال ابنُ حزم في المحلَّى (2/242) (وقد جاء عن عُمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرِهم من الصحابةِ أن من ترك صلاةَ فرضٍ واحدةٍ متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافرٌ...)

       فتاركُ الصلاةِ عمداً حتى يخرج وقتها قد ارتكب كبيرةً من الكبائر وليس له عند الله عهدٌ ، وكثيرٌ من العلماء قال أنه كافرٌ كفراً مخرجاً من الملّة وهذا مذهبُ أحمد وغيرهِ من العلماء  قال الإمام النوويُّ رحمه الله (فرعٌ في مذاهب العلماء فيمن ترك الصلاةَ تكاسلاً مع اعتقاده وجوبَها ، فمذهبنا المشهور أن يقتل حداً ولا يكفّرونه ، قال به مالكٌ والأكثرون من السلف والخلفِ ، وقالت طائفةٌ يكفُر ويجري عليه أحكامُ المرتدين في   كل شيء...) المجموع (3/18) .

فما هو حكمُ قضاءِ الصلواتِ الفائتةِ عن وقتها، إذا تركها عمداً؟

    اختلف العلماء في هذه المسألةِ على قولين :

قال ابنُ رجب في شرح البخاري – حديث (597) (وأما تركُ الصلاةِ متعمداً : فذهب أكثرُ العلماء إلي لزوم القضاء له ، ومذهبُ الظاهريّةِ أو أكثرهم أنه لا قضاء على المتعمّد … وذكرا آثاراً عن السلف أنه لا قضاء عليه....) .قال ابنُ تيمية في الاختيارات الفقهية (34) (أن تارك الصلاةِ عمداً لا يشرع له قضاؤها ولا تصح منه ، بل يُكثرُ من التطوّع وكذا الصوم ، وهو قولُ طائفةٍ من السلف كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي وداود بن علي وأتباعه ، وليس في الأدلّةِ ما يخالفُ هذا ، بل يوافقُه) وقال ابنُ تيمية في الفتاوى (22/40) (فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد ومالك وغيرهما ، قيل : يجبُ عليه القضاءُ وهو المشهورُ عن أصحاب الشافعي وكثيرٍ من أصحاب أحمد ، وقيل : لا يجبُ عليه القضاءُ وهذا هو الظاهرُ) .

فيظهرُ ممَّا سبق أن المسألة من المسائل الخلافية بين أهل العلم وليس فيها إجماع ، وسنذكر القولين في المسألة مع أدلّتهما ثم الترجيحَ بينهما .
القـول الأول : منَ ترك صلاةً واحدةً متعمداً حتى فاتَ وقتُها لا يقضيها ، وإذا قضاها لا تقبلُ منه ، وإنما عليه التوبةُ والإكثارُ من النوافل فقط : وهذا هو مذهبُ كثيرٍ من السلفِ واتباعِ المذاهبِ وأهلِ الحديث . وقد ذكر ابنُ رجب في شرح البخاري تحت حديث (597) منهم الحسنَ البصري وداودَ بن علي وأبا بكر الحميدّي وغيرَهم ، وذكر ابنُ تيمية أنه قولُ طائفةِ من السلف كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي ، ثم رجَّح هذا القول في الفتاوى (22/40) والاختيارات (34) . قال الحسن البصري (إذا ترك الرجلُ صلاةً واحدة متعمداً فإنَّه لا يقضيها) ذكره محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (2/987) .قال أبو بكر الحميديُّ في الصوم والصلاة إذا تركها عمداً أنه لايُجزئُه قضاؤهما – مسند الحميدي آخر صفحةٍ منه (2/547).

*قال ابنُ رجب في شرح البخاري (597) عن كلام الحميدي : ووقع مثلُه في كلام الجوزجاني والبربهاري وابن بطّة ثم قال : (قال ابنُ بطة: أعلم أن للصلاةِ أوقاتاً ، فمن قدّمها على وقتها فلا فرضَ له من عذرٍ وغيرِه ، ومن أخّرها عن وقتها مختاراً لذلك من غيرِ عذرٍ فلا فرض له ،  وقال البربهاريُّ : الصلواتُ لا يقبلُ اللهُ منها شيئاً إلا أن تكونَ لوقتها إلا أن تكون نسياناً)  وقد نصَّ الإمام أحمد في روايةِ ابنه عبد الله : على أن المصلِّى لغير الوقت كالتارك للصلاةِ في استتابتهِ وقتلِه ، فكيف يؤمرُ بفعلِ صلاةٍ حكمُها حكمُ ترك الصلاةِ)  ثم قال ابنُ رجب بعد ذلك (وقد وردت آثارٌ كثيرةٌ عن السلف في تارك الصلاةِ عمداً أنه لا يقبلُ منه صلاةٌ ، ثم ذكر قولَه صلي الله عليه وسلم(ثلاثةٌ لا تقبلُ لهم صلاةٌ) ذكر منها (الذي لا يأتيِ الصلاةَ الا دباراً) يعني بعد فوات الوقت ، رواه أبو داود وابن ماجه –   قلتُ : هو في صحيح سنن أبي داود رقم (554) ثم قال رحمه الله (ولاُ يعرفُ عن أحدٍ من الصحابةِ في وجوبِ القضاءِ على العامدِ شيءٌ ، بل ولم أجدْ صريحاً عن التابعين أيضاً فيه شيئاً إلا عن النخعي ..) شرح البخاري حديث (597) . قال ابنُ حزم (ت 456 هـ) في المحلَّى (2/235) : مسألة (279) : وأمّا من تعمّد تركُ الصلاةِ حتى خرج وقتُها فهذا لا يقدرُ على قضائها أبداً ، فليكثر من فعل الخيرِ وصلاةِ التطوّع ، وليتب وليستغفر الله عز وجل ، وذكر مذاهب العلماء والسلف والأدلّةَ النقليةَ والعقلية على ما ذهب إليه) – فليُراجع في عشر صفحات في المحلَّى . قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة تحت حديث (66) : (من لم يدرك من صلاتِه شيئاً قبل خروج الوقت فإنه لا صلاةَ له ، ولا هي مبرئةٌ للذمّةِ ، وليس ذلك إلاّ من باب الزجر والردع  له عن إضاعة الصلاةِ) . وللإمام ابن القيمِّ بحثٌ مفصّلٌ في هذه المسألةِ ردَّ على القائلين بالقضاء على المتعمّد – أعلامُ الموقعين – فصل إبطال القياس .
أدلّـةُ هـذا القـول :

1) روى البخاري (597) عن أنسٍ عن النبيِّ صلي الله عليه وسلم قال (من نسيَ صلاةً ، فليصلِّ إذا ذكرها ، لا كفارةَ لها الاّ ذلك) وأقمِ الصلاةَ لذكري (فتح الباري (2/71) . قال ابنُ حجر (كذا في جميع الروايات بحذف المفعول ، ورواه مسلم بلفظ (فليصلها) وهو أبينُ للمراد ، وزاد مسلمٌ أيضاً (أو نام عنها) ، وقد تمسَّك بدليل الخطاب منه القائلُ إنّ العامدَ لا يقضي الصلاةَ ، لأن انتفاءَ الشرطِ يستلزم انتفاءَ المشروط ، فيلزمُ منه أنّ من لم ينسَ لا يصُلى ، بل يقولُ : إنّه لو شرع له القضاءُ لكان هو والناسي سواء ، والناسي غيرُ مأثوم بخلاف العامدِ فكيف يستويان ؟) انتهى كلامه رحمه الله في فتح الباري (2/71) . قلتُ : وللحديث ألفاظٌ أخرى ذكرها الألبانيُّ في إرواء الغليل تحت حديث (263) منها: ما رواه ابنُ أبي شيبة بإسنادٍ صحيح بلفظ (من نام عن صلاةٍ أو نسيَ صلاةً فليُصلِّها إذا ذكرها وإذا استيقظ)، وفي لفظ (من نسي صلاة فوقتُها إذا ذكرها)

 قال صدِّيق حسن خان في الروضة الندّية (1/337) (والحقُّ أن ذلك هو وقتُ الأداءِ لا وقتُ القضاء للتصريح منه صلي الله عليه وسلم أن وقت الصلاةِ المنسيةِ أو التي نام عنها المصلَّى وقتُ الذكر). وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميه (22/59) (فإنَّه مأمورٌ أن يفعلها في ذلك الوقتِ بحيث لو أخرها عنه عمداً كانَ مضيِّعاً مفرطاً ، فإذا اشتغل عنها بشرطها كتحصيل ماءِ الطهارةِ أو ثوبِ استعارةِ بالذهاب إلي مكانه ونحو ذلك لجاز تأخيرها عن الوقت)

2) قولُه صلي الله عليه وسلم (من أدرك من العصر سجدةً قبل أن تغربَ الشمسُ أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها) أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه – أرواء الغليل (252) . وفي لفظ آخر صحَّحه الألباني بطرقه في السلسلةِ الصحيحة رقم (66) : قال صلي الله عليه وسلم (إذا أدركَ أحدُكم أوّلَ سجدةٍ من صلاةِ العصر قبل أن تغربَ الشمسُ فليُتم صلاته، وإذا أدرك أول سجدةِ من صلاةِ الصبح قبل أن تطلع الشمسُ فليُتم صلاته). قال الشيخ الألباني (إنّ الحديثَ إنما هو فـي المتعمِّد تأخيرَ الصلاةِ إلي هذا الوقتِ الضيِّقِ، فهو على هذا أثمٌ بالتأخير وإن أدرك الصلاةَ لقوله صلي الله عليه وسلم (تلك صلاة المنافقِ ، يجلسُ يرقبُ الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطانِ ، قام فنقرها أربعاً ، لا يذكر  الله فيها إلا قليلاً) رواه مسلم (2/110) وهو في صحيح سنن أبي داود (441) . ثم قال : ومعنى قوله (فليتم صلاتَه) أي لأنه أدركها في وقتها وصلاّها صحيحة وبذلك برئت ذمَّتُه ، وأنه إذا لم يدرك الركعةَ فلا يُتمُّها لأنها ليست صحيحة بسبب خروج وقتها ، فليست مُبرئةً للذمَّةِ ، ولا يخفى أنّ مثله من لم يدرك من صلاتِه شيئاً قبل خروج الوقت فإنه لا صلاة له ، وليس ذلك إلاّ من باب الزجر والردع له عن إضاعةِ الصلاةِ ، فلم يجعل الشارعُ الحكيمُ لمثله كفارةً كي لا يعود إلى إضاعتِها مرَّةً أخرى) انتهى كلامه في الصحيحة رقم (66) .

3) حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كانَ يقولُ :" ثلاثةٌ لا يقبلُ اللهُ منهم صلاةً : من تقدّم قوماً وهم له كارهون ، ورجلٌ أتى الصلاةَ دباراً – والدبارُ : أن يأتيها بعد أن تفوته ، ورجلٌ أعتبدَ مُحرَّرَهُ) رواه أبو داود وابن ماجه وصححَّه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم (554) ما عدا الشطر الثاني منه . والحديث واضحُ الدلالةِ على عدم قبول من صلَّى الفائتةَ متعمداً .

4) عن أبي هريرةَ عن النبيِّ صلي الله عليه وسلم أنه قال:" أولُ ما يحاسبُ به العبدُ يوم القيامةِ من عمله : الصلاةَ ، فإذا صلحت فقد أفلح وانجح ، وإن فسدت فقد خابَ وخسر، وإن انتقص من فريضةٍ شيئاً قال الربُّ تبارك وتعالى " انظروا هل لعبدي من تطوّع؟ " فيُكمَّلُ بها ما اتنقص من الفريضةِ ، ثم يكونُ سائرُ عمله على ذلك " أحمد والأربعة . قال ابنُ رجب في شرح البخاري (5/141) (وردت أحاديثُ كثيرةٌ تدلُّ على أن نقصَ الفرائضِ يُجبَرُ من النوافل يوم القيامة – وذكر حديثَ أبي هريرة – ثم قال – واختلف الناسُ في معنى تكميل الفرائض من النوافل ، فحمله آخرون على العامدَ وغيرِه وهو الأظهرُ إن شاء الله) حديث (597) . قلتُ : ذكر ذلك استدلالاً على أن الذي ضيَّع الصلاةَ عن وقتها متعمداً ليس عليه القضاء وإنما التوبةُ ورجاءُ أن تُجبَرَ من النوافل يوم القيامة .

5) قال الله تعالى )فإن تابوا وأقاموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ فخلُّوا سبيلَهمِ( التوبة (5) قال صديق حسن خان في الروضة النديَّة (1/336) ( فتاركُ الصلاةِ إن تاب وأنابَ وجب علينا أن نخليَ سبيلَه ، وإن لم يتب قتلناه – حكمُ الله ومن أحسنُ من الله حكماً ) انتهى . فالتوبةُ تكفي لمن ترك الصلاة ، ولم يأمرْه اللهُ بالقضاء لأنه تركها عمداً .

القولُ الثاني : من ترك الصلاةَ متعمداً حتى فات وقتُها فيجبُ عليه القضاءُ مع التوبةِ . ذكره ابنُ رجب في شرح البخاري (597) أنه قولُ أكثر العلماء ومنهم من يحكيه إجماعاً .واستدلوا بما يلي :
1- القيـاسُ : قالوا : أمر المعذورُ بالنوم والنسيان بالقضاء ، فغيرُ المعذور أولى إشارة لحديث (من نسي صلاةً أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكرها ، لا كفارة لها إلا ذلك) متفق عليه واللفظ لمسلم .
والجوابُ على الاستدلال  :
* قال ابنُ رجب في شرح البخاري حديث (597 ) (وفي هذا الاستدلال نظرٌ ، فإنّ المعذورَ إنمّا أمره بالقضاء لأنه جعل قضاءه كفارةً لها ، والعامدُ ليس القضاءُ كفارةً له فإنه عاصٍ تلزمُه التوبةُ من ذنبه بالاتفاق ، ولهذا قال الأكثرون : لا كفارةَ على قاتل العمد ولا على مَنْ حلف يميناً متعمداً فيها الكذب لأنّ الكفارةَ لا تمحُو ذنبَ هذا ، وأيضاً إنّ القضاءَ إنما يجبُ بأمرٍ جديدٍ ، فلا دليل على إلزام العامدِ بالقضاء  فإنه ليس لنا أمرٌ جديدٌ يقتضي أمرَهُ بالقضاء كالنائُم والناسي...) .
* قال صدّيق حسن خان في الروضة الندية (1/336) ( والحق أنه لابد من دليل جديد ، لأن إيجاب القضاءَ هو تكليفٌ مستقلٌ غير تكليف الأداء ، ومحلُّ الخلافِ هو الصلاةُ المتروكةُ لغير عذرٍ عمداً...)

*قال الشيخ الألبانيُّ في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (66) : ( إنّ قول بعضِ المتأخرين ( إذا كانَ النائمُ والناسي للصلاةِ يقضيانها بعد خروج وقتها ، كانَ المتعمدُ لتركها أولى ) أنه قياسٌ خاطئٌ لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه وهو فاسدٌ بداهةً ، إذ كيف يصحُّ قياسُ غيرِ المعذور على المعذور، والمتعمِّدِ على الساهي ، ومن لم يجعل اللهُ له كفارةً على من جعل اللهُ له كفارةً ‍؟ ، ثم قال ( وللعلامةِ ابن القيمِّ رحمه الله بحثٌ هامٌ مفصَّلٌ في هذه المسألةِ أنقُل منه فصلين : قال رحمه الله – أي ابنَ القيمِّ – بعد أن ذكر القولَ المتقدّم :  فجوابُه من وجوهٍ :
أحدهما : المعارضةُ بما هو أصحُّ منه أو مثلُه وهو أن يقال : لا يلزمُ من صحَّةِ القضاءِ بعد الوقتِ من المعذور صحَّته وقبولَه من متعدٍّ لحدود الله مضيِّعٍ لأمره ، فقياسُ هذا على هذا في صحّةِ العبادةِ وقبولها منه من أفسد القياس .
 ثانيها : أن المعذور بنومِ أو نسيانٍ لم يصلِّ الصلاة في غير وقتها، بل في نفس وقتها الذي وقّته اللهُ له فإن الوقت في حق هذا حين يستيقظ ويذكر، فكيف يقاسُ عليه من صلاها في غير وقتهاعمداً ؟
 ثالثُها : إنّ الشريعةَ قد فرَّقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي وبينِ المعذور وغيرِه فإلحاقُ أحدِ النوعين بالأخرِ غيرُ جائز .
رابعها : أنّا لم نسقطها عن العامد المفرّط إلا على وجهٍ لا سبيل له إلي استدراكها تغليظاً عليه ) انتهى كلام الألباني في الصحيحة (66) .

2- واستدلوا بحديث ابن عباس أن امرأةً جاءت إلي النبيِّ فقالت : إنّ أميِّ نذرت أن تحجَّ فلم تحجَّ حتى ماتت ، أفأحُجُّ عنها ؟ قال : نعم حُجِّي عنها ، آرآيتِ لو كان على أُمُّكِ دَينٌ أكنتِ قاضيَتَة ؟ اقضُوا اللهَ ، فاللهُ أحقَّ بالوفاء) رواه البخاري (1852) فتح (4/64) . قالوا : قالوا هذا دليلٌ على وجوب القضاء على تارك الصلاةِ عمداً قياساً على قضاء الحجج .
والجوابُ :  قال الشيخ عبد الرحمن عبد الصمد صـ36 (وهذا أيضاً لا حجةَ لهم فيه البتةَ فهذا الحديثُ ورد في سياق الحج ولا علاقة له بالصلاةِ ، والحجَّ عن أهل الأعذارِ كمن نذر عن الحج أوعزم عليه وأدركه الموتُ أو أصابه مرضٌ فأقعده ، فهؤلاءِ باتفاق الأمَّةِ أنه يُحجُّ عنهم لما ورد في الأحاديثِ الصحيحةِ بذلك ، وأن الحج والصيام وردت بهما النصوصُ بأنهما يُقضيان عن الغيرِ بأمرٍ من النبيِّ صلي الله عليه وسلم ، بسبب الموت أو المرض أو الهرم ونحوه أمَّا الصلاةُ فهي مفروضةٌ على الأعيانِ لا تسقط عنهم بحالٍ من الأحوال ، ولم ينقل عن أحد من الصحابةِ والأئمةِ أنّ أحداً صلَّى عن أحدٍ ... فلا يجوزُ والحالةُ هذه أن يقاسَ قضاء الصلوات المتروكة عمداً على قضاءِ الصوم والحج عن أهل الأعذارِ ... ) إلى صـ38 بتصرّف يسير .

3- واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود (أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر المجامع في نهار رمضان عمداً بالقضاء) قالوا : على المصلِّى الذي فوّت الصلاة عامداً يقضيهَا كالمجامع في رمضان عمداً .
والجوابُ : قال ابنُ رجب في شرح البخاري رقم (597) ( يفرّقُ بين ترك الصلاةِ والصيام ، ومن دخل فيهما ثم أفسدَهما ، فالثاني عليه القضاءُ كمن فسد حجُّه ، والأول كمن وجب عليه الحجُّ ولم يحُجَّ وإنما أمرهْ أن يُحجَّ بعد ذلك لأن الحجَّ فريضةُ العمر )  قلتُ : قد أمر رسوُل الله المجامعَ في رمضان عمداً بالقضاء ، فهل أمر العامدَ تأخيرَ الصلاةِ بالقضاءِ ؟
4- ومن  أدلَّتهم على وجوب القضاء : حديث قصةِ الخندقِ عندما شُغلَ رسول الله عن صلاةِ العصرِ ، فصلاّها بعد غروب الشمس – رواه مسلمٌ وغيرُه . قالوا : قضى الصلاةَ بعد فواتِ وقتها .
والجوابُ : قال الشيخ عبد الرحمن عبد الصمد صـ34 (لا مُتمسَّك لهم بالاستدلال بها على وجوب القضاء لعدّةِ أمورٍ :
 الأول : أنه لم يشرع للمسلمين قضاءُ الصلواتِ الفائتةِ إلا في ثلاثة أحوالٍ : للنائمِ ، والناسي ونحوهما كالمغمى عليه والسكران ، والمشغولِ عنها بعمل لا يمكنُه من أدائها في وقتها كما حصل مع النبيِّ والصحابةِ في حفر الخندق وذلك قبل نزول صلاة الخوف ، فبناءً على ذلك فإن قضاءَ الصلاةِ لمن يُشغلُ عنها قد نسخ فلا مسوِّغَ للاحتجاج بها .
الثاني: أن النبيِّ لم يتركها عمداً ، إنما تركها عن شُغل وهو القائلُ   (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر) فلا يقاسُ من تركها متعمداً فارغاً صحيحاً على من تركها لشُغل في سبيل الله .
 الثالثُ : أن التارك لها عمداً قد أثمَ وحبط عملُه وبرئت منه الذمَّةُ ، وأمّا رسول الله صلي الله عليه وسلم عندما تركها لشغل شغله في سبيل الله لم يأثم ولم يحبط عملُه ، فلا يقاسُ ذلك على هذا وبذلك يسقط الاستدلالُ بالقصةِ على وجوب القضاء على التارك المتعّمد .
فتبّين ممَّا سبق : أن القولُ الراجح في هذه المسألة هو القولُ الأولُ وهو أن من ترك صلاةً متعمداً حتى فات وقتهُا لا يقضيها ، وإنما عليه التوبةُ والإكثارُ من النوافل فقط  . والله أعلم

جميع ما سبق ينطبقُ على الفرائض والنوافل معاً .
مسألةٌ : إذا فاتت النوافل عن وقتها بغير عذر لا تقضى كالفرائض على الراجح ، لعموم قوله صلي الله عليه وسلم (من نام عن صلاةٍ أو نسيها...)
مسألةٌ : إذا فاتت النوافل والرواتب عن وقتها بعذر فمتى تُقضَى ؟  فيها قولان :
 الأول : إنها تقضى إذا استيقظ من نومه أو ذكرها أو انتهى من شغله كالفرائض ، ولو كانت في الأوقات المنهية لأن لها سبباً : قال ابنُ رجب في شرح البخاري (5/97) : والمشهور عند أكثر أصحابنا أنَّ الحكمَ يتعدّى إلى قضاء جميع السنن الرواتب في جميع أوقات النهي ) وهذا هو الراجحُ والله أعلم والرسولُ أقرَّ الذي صلَّى السنّة بعد صلاة الصبح وكذلك قضى سنّةَ الصبح مع الفريضةَ بعد طلوع الشمس ، وكذلك حديث ( من نسي وتره فليصله إذا ذكره ) صحيح سنن الترمذي.

 الثاني : أنها تقضى بعد العصر فقط : قال البخاريُّ في صحيحه باب (33) من كتاب مواقيت الصلاة : بابُ ما يُصلَّى بعد العصر من الفوائتِ ونحوها ثم ذكر عن أم سلمة ( صلَّى النبيَّ بعد العصر ركعتين وقال :  شغلتني ناسٌ من عبدِ القيس عن الركعتين بعد الظهر ) متفقٌ عليه خ (1233) م (834) وأحمد (6/310)  قال ابنُ رجب في الشرح (5/94) : ومقصودُ البخاريّ بهذا الباب أنه يجوزُ قضاءُ الفوائت من النوافل الراتبةِ فيما بعد العصرِ كما يقوله الشافعيُّ .. ) وذكر أقوالاً أخرى فلتراجع .

مسألةٌ : قولُه صلي الله عليه وسلم ( لا صلاةَ بعد الصبح حتى تطلع الشمسُ ولا صلاةَ بعد العصر حتى تغيبَ الشمسُ ) متفقٌ عليه ، ليس إطلاقه . ففي صحيح مسلم (833) عن عائشةَ قالت : قال رسول الله ( لا تتحرَّوا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبَها فتصلّوا عند ذلك ) فهذا هو وقتُ النهي وليس بعد صلاة الصبح والعصر مباشرة . وعند أبي داود والنسائي ( لا تصلُّوا بعد الصبح ولا بعد العصرِ إلا أن تكون الشمسُ نقيةً )  قال ابنُ حجر (2/62) ( فدلَّ على أن المراد بالبعديةِ ليس على عمومة وإنما المراد وقتُ الطلوع ووقت الغروب  )  وقال ابنُ رجب (5/73) ففي حديث عائشة إشارةٌ منها أن النبيَّ صلي الله عليه وسلملم يكن يصلِّى في وقت نهي عن الصلاةِ فيه  )

مسألةٌ : الفوائتُ تُقضَى كما فاتت لعموم الأحاديث :  فصلاةُ الوتر تقضَى كما فاتت ، وصلاةُ السفر تقضى كما فاتت ، وصلاةُ الليل تُقضى كما فاتت جهريةً ، وكذلك صلاةُ النهارِ ، وهكذا

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالميــن