الجمعة، 2 سبتمبر 2016

أحكام الأضحية

     الحمد لله رب العالمين والصلاةُ والسلامُ علي خاتم النبيين ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله  وبعد،،

* الأضحيــــة : اسم لما يُذبح من الأنعام بسبب عيد الأضحى تقرباً إلى الله تعالى ، وهي مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة . قال الله تعالى (فصلِّ لربِّك وانحر)  وقال ابن عمر : (أقام النبي صلي الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يُضحي) أحمد والترمذي ـ فتح 13/65 . وعن أنسٍ قال : (ضحَّى النبي بكبشين أملحين أقرنين ، ذبحهما بيده ، وسمىَّ وكبّر ، ووضع رجلَه على صفاحِهما) متفق عليه ـ خ 5233/ م 1966 . قال ابن قُدامة في المغني (13/360) (أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية) . وقال ابن حجر في الفتح (10/3) (ولا خلاف في كونها من شرائع الدين)
*حكـم الأضحيـة : اختلف العلماء في الأضحية على قولين : واجبة وسنة مؤكدة . والراجح هو أن الأضحية واجبة على المستطيع وهو قول الأوزاعي والليث ومذهب أبي حنيفة وروايةٌ عن أحمد وابن تيمية وقال (هو أحد القولين في مذهب مالك أو ظاهر مذهب مالك) وقال ابن تيمية (ووجوبها مشروط بأن يقدر عليها فاضلاً عن حوائجه) فتاوى 23/162  ، وأدلة الوجوب هي :
1.        قال ابن عمر (أقام النبي بالمدينة عشر سنين يُضحي) أحمد والترمذي ـ ما تركها ولو مرة واحدة .
2.        قوله صلى الله عليه وسلم "يا أيها الناس إنّ على أهل كل بيتٍ أضحيةً في كل عام) قال ابن حجر في الفتح ـ أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي وحسنه الترمذي ـ قلتُ وهو في صحيح أبي داود 2487
3.        قوله صلى الله عليه وسلم "من وجد سعة فلم يُضحِ فلا يقربنّ مصلانا" رواه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم ، قال ابن حجر في الفتح رجاله ثقات ـ وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه
4.        قال الله تعالى (فصلِّ لربِّك وانحر) أمر بالنحر بعد الصلاة ، والأمر للوجوب .
5.        قوله صلى الله عليه وسلم "من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله" متفق عليه . قال شيخ الإسلام (والأظهر وجوبها فإنها من أعظم شعائر الإسلام ، وهي النسك العام في جميع الأمصار والنسك مقرون بالصلاة وهي ملة إبراهيم الذي أُمرنا باتباع ملته ، وقد جاءت الأحاديث بالأمر بها ، ونفاة الوجوب ليس معهم نص) الفتاوى (23/162) . قال الشيخ العثيمين (صرح كثير من أرباب هذا القول ـ أنها سنة مؤكد ـ بأن من تركها يكره للقادر وذكر في جواهر الإكليل شرح مختصر خليل أنها إذا تركها أهل بلد قوتلوا عليها لأنها من شعائر الإسلام) كتاب إطعام الأضحية

* هل تُجزىْ القيمة في الأضحية؟
لا تُجزىْ القيمة في الأضحية لأنه لم يُنقل عن رسول الله ذلك ولم ينقل عن أحدٍ من الصحابة ولا الأئمة أن أحداً منهم أخرج القيمة ولو مرة ، ولأن الله قال (فصلِّ لربِّك وانحـر)
 ولأن إراقة الدم والذبح هو المراد من الأضحية وإخراج القيمة تعطيل لهذه الشعيرة.  قال ابن القيم (لو تصدق عن دم المتعة والقران بأضعاف أضعاف القيمة لم يقم مقامه، وكذلك الأضحية ، والله أعلم) تحفة المودود بأحكام المولود صـ36 ، وهكذا قال ابن تيمية (26/304) . بل أن الناس أصابهم ذات سنةٍ مجاعةٍ في عهد النبي في زمن الأضحية ولم يأمرهم بصرف ثمنها إلى المحتاجين بل أقرّهم على ذبحها وأمرهم بتفريق لحمها كما في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع . ولو عدل الناس عن ذبح الأضحية إلى الصدقة لتعطلت شعيرةٌ عظيمة ذكرها الله في القرآن وفعلها رسول الله وسماها سنَّة المسلمين .

* وقتهــا : أول وقت الأضحية بعد صلاة عيد الأضحى ، وآخر وقتها غروب شمس آخر أيام التشريق . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من ذبح بعد الصلاة فقد تم نُسُكه وأصاب سنّة المسلمين" البخاري . وقال صلى الله عليه وسلم "كلُ أيام التشريق ذبح" أحمد وابن حبان والبيهقي . وقال صلى الله عليه وسلم "من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها…" متفق عليه . فوقتها من بعد صلاة العيد إلى أيام التشريق .

* جنسُ ما يُضحـى بـه : قال تعالى (ولكلِّ أمةٍ جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم من ضأنٍ أو معزٍ فلا يجزئ غيرها .

* شـروط الأضحيـة وموانعهــا :
أما شروطها :
1)       أن تكون مُلكا للمضحي غير مغصوبة أو مسروقة أو مرهونة أو أمانة أو غيرها .
2)       أن تكون من بهيمة الأنعام بدليل الآية وفعله وأمره صلى الله عليه وسلم .
3)       أن تكون بالغة السن المعتبر شرعاً بأن يكون ثنياً لحديث (لا تذبحوا إلا مُسنَّةً ، إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعةً من الضأن) مسلم . والثنيُ من الإبل ما تم له خمس سنين ، ومن البقر ما تم له سنتان ، ومن الغنم ما تم له سنة ، والجذع نصف سنةٍ .

أما موانعهـا : فهي العيوب المانعة من الأجزاء وهي المذكورة في حديث البراء بن عازب قال (قام فينا رسول الله فقال: "أربعٌ لا تجوز في الأضاحي ـ وفي رواية لا تجزىء : العوراءُ البيّن عورها ، والمريضة البيّن مرضها ، والعرجاء البيّن عرجها ، والكسير التي لا تنقى" (العجفاء) الضعيفة . رواه الخمسة . والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم .
الأولى : العوراء البين عورها وهي التي انخسفت عينها أو برزت ، وتلحق بها العمياء التي لا تبصر .
الثانية : المريضة البين مرضها كالحمى والجرب الظاهر والمبشومة ، وكذلك ما أصابها سبب الموت كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع .
 الثالثة : العرجاء البين ظلعها وهي التي لا تستطيع معانقة السليمة في الممشى ، وكذلك مقطوعة الرجلين .
الرابعة : الكسيرة أو العجفاء (الهزيلة) التي لا تُنقى أي ليس فيها مخ في عظامها .
هذه العيوب المانعة من الأجزاء ، فمتى وُجد واحد منها في بهيمةٍ لم تجزْ التضحية بها لفقد أحد الشروط وهو السلامة من العيوب المانعة من الأجزاء .

    قال النووي (وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء لا تجزىْ التضحية بها وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها كالعمى وقطع الرجل وشبهه) شرح مسلم (13/128) وقال الخطابيُّ (في الحديث دليل على أن العيب الخفيف في الضحايا معفوٌ عنه ، ألا تراه يقول (البين عورها والبين مرضها والبين ضلعها) فالقليل منه غير بيّن فكان معفواً عنه) معالم السنن (4/106) . فالعيوب الأخرى لا تمنع الإجزاء ، ولا شك أن الأضحية الكاملة الخالية من العيوب هي الأفضل والأحسن لأنها قربة إلى الله تعالى . وقد كان المسلمون في عهد رسول الله يغالون في الهدي والأضاحي ، يختارونه سميناً حسناً يعلنون بذلك عن تعظيمهم شعائر الله ، في صحيح البخاري قول أبي أمامة (كنّا نُسمّنُ الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون) فتح (10/9) . وليحرص المسلم على تأمل الأضحية حال الشراء وتحقق خُلوها من العيوب المانعة من الإجزاء ، وكلما كانت أغلى وأكمل فهي أحبُّ إلى الله تعالى وأعظم لأجر صاحبها وأدلّ على تقواه . قال شيخ الإسلام (والأجر في الأضحية على قدر القيمة مطلقاً) الاختيارات صـ120 . ومن أراد أن يضحي فلا يجوز له أن يمس من شعره وأظفاره ولا بشره شيئاً : روى مسلم والأربعة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله "إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره" وفي رواية أخرى "فلا يأخذ من شعره وأظفاره شيئاً حتى يضحي" وفي رواية "فلا يمس من شعره ولا بَشَره شيئاً" فإذا خالف الأمر وارتكب النهي ، وقع في الإثم ، ولا علاقة بين فعله وبين قبول الأضحية . ومن احتاج إلى أخذ الشعر أو الظفر أو الجلد فأخذها فلا حرج عليه ، ومن ضحى عن غيره بوكالةٍ أو وصيةٍ فلا يشمله النهي المذكور .

* صفــة الذبـح : من كان يحسن الذبح فليذبح بنفسه ، ولا يوكِّلْ في ذبحها لحديث أنسٍ رضي الله عنه (ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين أملحين ، فرأيته واضعاً قدمه على صفاحهما يسميّ ويكبّر فذبحهما بيده) متفق عليه خ 5233/ م 1966 ، ولأن الذبح قربة وكون الإنسان يتولى القربة بنفسه أفضل من الاستنابة . قال البخاري رحمه الله (أمر أبو موسى بناته أن يُضحين بأيديهن) فتح الباري (10/19) وفي صحيح مسلم أن رسول الله نحر ثلاثاً وستين بدنة بيده واستناب علياً في نحر ما بقي من بُدنه ـ كتاب الحج . ولذلك تجوز الاستنابة في الذبح .

وعند الذبح تراعى الأمور الآتيــة :
·         الإحسان إلى الذبيحة بعمل كل ما يُريحها عند الذبح : عن شدّاد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إنّ الله كتب الإحسان على كلِ شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتْلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليُحدَّ أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته" مسلم 1955. عن ابن عمر قال (أمر النبي بحدِّ الشّفار وأن توارى عن البهائم ، وقال : إذا ذبح أحدكم فليجهز) رواه أحمد وابن ماجه ـ صحيح الترغيب صـ529 ج1ـ وانظر شرح النووي لمسلم (13/113)
·         تجب التسمية عند الذبح : قول (بسم الله) فقط : قال تعالى  (فكلوا مما ذُكر اسم الله عليه) الأنعام118 ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "ما أنهرَ الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا" متفق عليه خ/2356 م/1968. قالت عائشة (وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال : بسم الله) مسلم 1967 ـ وانظر أضواء البيان (5/638)
·         لابدَّ من إنهار الدم ويكون ذلك بقطع الحلقوم والمريء والودجين .

فائدة : (كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته ولو كثر عددهم . قال عطاء : سألت أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه : كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله فقال : إن الرجل يُضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون) رواه مالك والترمذي وابن ماجه ، وإسناده حسن .
فائدة أخرى: ( ُحرم أن يبيع شيئاً من الأضحية لأنها مالٌ أخرجه لله فلا يجوز الرجوع فيه كالصدقة ، أما من أهدي شيء منها أو تُصدق به عليه فله أن يتصرف فيه بما يشاء لأنه ملك)

* حكم الأكل من الأضحية والإطعام والتصدق والإدخار     :
قال تعالى (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير  (
وقال صلى الله عليه وسلم : "كلوا وادخروا وتصدقوا" رواه مسلم من حديث عائشة ، وقال أيضاً (كلوا وأطعموا وادخروا) رواه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع . والإطعام يشمل الصدقة على الفقراء والهدية للأغنياء . وقال أبو بردة للنبي صلى الله عليه وسلم (اني عجلت نسيكتي لأُطعم أهلي وجيراني وأهل محلتي) والنبي صلى الله عليه وسلم أمر في حجة الوداع من كل بدنة ببضعةٍ فجعلت في قدرٍ فطُبخت فأكل من لحمها وشرب مرقها) رواه مسلم من حديث جابر . فذهب بعض العلماء إلى وجوب الأكل منها ومنع الصدقة بجميعها لظاهر الآية والأحاديث التي تأمر بالأكل منها ، والأمر يدل على الوجوب .ووردت آثار عن السلف

 كلها تدل على حرصهم على الأكل منها والإطعام ، عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود والشافعي وأحمد  ولا يوجد في النصوص مقدار ما يؤكل ويُتصدق به ويُطعم .

فائدة (لا يُعطى الجازر أُجرته من الأضحية لأن ذلك معاوضة وهي في معنى البيع وقد ورد عن علي رضي الله عنه قال (أمرني رسول الله أن أقوم على بُدنه وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلَّتِها وأن لا أعطي الجازر منها  قال (نحن نعطيه من عندنا) وفي رواية (ولا يُعطى في جزارتها منها شيئاً) متفق عليه خ 1630 ـ م 1317 لكن إن دفع إلى جازرها شيئاً لفقره أو على سبيل الهدية فلا بأس لأنه مستحقٌ للأخذ ويعطيه أجرته كاملة مع الهدية (راجع فتح الباري (3/556)

سؤال مهم : سُئل الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله : ما حكم إرسال الأضاحي أو الهدي لتُذبح في الخارج وما هي المحذورات في ذلك ؟ فأجاب حفظه الله (الأضاحي تُضحى في بلاد المضحين ، فإن رسول الله لم يُنقل عنه أنه ضحى إلا في محل إقامته في المدينة ، والأفضل أن يباشرها بنفسه فإن لم يستطع فعليه أن يوكل من يذبحها أمامه ، وإذا نُقلت الأضاحي إلى بلادٍ أخرى يحصل من ذلك بعض المحذورات لأنه ليس المقصود من ذبح الأضاحي مجرد اللحم لكن المقصود الأهم هو التقرب إلى الله تعالى بالذبح والله يقـول (فصلِّ لربِّك وانحر) فنصيحتي للمسلمين أن يتولوا ذبح أضاحيهم بأنفسهم في بلادهم وأن يأكلوا منها ويطعموا منها ويظهروا شعائر الإسلام .

أحاديث ضعيفة تتعلق بالأضحية من سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني :
1.        حديث (ما عمل ابن آدم في هذا اليوم أفضل من دم يراق ، إلا أن تكون رحماً توصل) الضعيفة (525)
2.        حديث (ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحبّ إلى الله من اهراق الدم ، إنه ليُاتى يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها ، وأن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً)  (526)
3.        حديث (الأضاحي سنّة أبيكم إبراهيم ، قالوا : فما لنا فيها؟ قال : بكل شعرة حسنة قالوا : فالصوف؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة) موضوع ـ الضعيفة (527)
4.        حديث (يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عمِلته ، وقولي (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) حديث منكر ـ الضعيفة (528)
5.        حديث (من ضحى طيبة بها نفسه ، محتسباً لأضحيته كانت له حجاباً من النار) موضوع ـ الضعيفة (529)
6.        حديث (ننسخ الأضحى كل ذبحٍ ، وصوم رمضان كل صومٍ) ضعيف ـ الضعيفة (904)
7.        حديث (أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها) ضعيف ـ الضعيفة (1678)

هذا ما تيسر جمعه من الأحكام التي تتعلق بالأضحية، نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا ويرزقنا العمل به ،

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الأحد، 28 أغسطس 2016

موقفُ الملائكةِ من البشرِ

      الحمد لله رب العالمين والصلاةُ والسلامُ علي خاتم النبيين والمرسلين ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله  وبعد،،

  إن  الإيمانَ بالملائكةِ أصلٌ من أصولِ الاعتقادِ ، لا يتمُ الإيمانُ إلا به ، والملائكةُ عالمٌ من عوالم الغيب التي أُمرنا بالإيمان به ، والحديثُ عنهم من أسباب تقوية الإيمان ، والملائكةُ لهم صفاتٌ خَلْقيةٌ وخُلُقيَّةٌ ، ولهم قدراتٌ هائلةٌ ، ويعبدونَ اللهَ ولا يعصونَه أبداُ ، ولهم أعمالٌ ووظائفٌ كثيرةٌ كَلَّفَهُمُ اللهُ بها ، ولهم موقفٌ من الإنس والجنِّ ، ولهم حقوقٌ علينا ، وعلينا واجباتٌ تجاههم .

أمَّا صفاتُهُم الخَلْقيةُ : فالله خلقهم من نورٍ ، كما في صحيح مسلم عن عائشة مرفوعاً ، خلقهم اللهُ قبل البشر، قال تعالى )وإذ قال ربُّك للملائكةِ إني جاعلٌ في الأرض  خليفةً( البقرة (30) جعلَ اللهُ  لهم أجنحةً ، وجبريلُ له ستمائة جناح ، والملائكةُ لا يوُصفونَ بالذكورةِ والأنوثةِ ، ولا يأكلونَ ولا يشربونَ ، ولا يتعبُون ، منازلُهُم السماء ، وينزلون إلى الأرضِ بأمرِ الله وخاصةً في ليلةِ القدرِ ، والملائكةُ خلقُ كثيرٌ لا يعلمُ عددُهُم إلا اللهُ ، ولهم أسماءُ لم نعرفْ منها إلاّ القليلَ .

وأما صفاتُهُم الخُلُقيَّةُ : فهم كرامٌ بررةٌ ، ومن أخلاقهِمِ الحياءُ وفيهم قال رسول الله  (صلي الله عليه وسلم) "ألا استحيي من رجلٍ تستحيي منه الملائكةُ" مسلم عن عائشة

أعطَى اللهُ الملائكةَ القدرة على أن يتشكلوا بغير أشكالهم ، فجبريلُ تشكّل في صورةِ بشرٍ لمريمَ ، قال تعالى  )فأرسلنا إليها روَحنا فتمثَّل لها بشراً سويّاً( وهكذا ....

أمرهُم اللهُ بالسجودِ لأدم (فسجد الملائكةُ كلُّهُم أجمعون...) الحجر (30) . ولمَّا توفِّي غسلوه وألحدوا له ، وقالوا : هذه سُنَّةُ أدمَ في ولده – الحاكم والطبراني عن أُبيِّ – صحيح الجامع (5207(

وعلاقةُ الملائكِة بذريَّة آدم علاقةٌ وثيقَةٌ ، فهم يقومون عليه عند خلقِه ، ويُكَلّفونَ بحفظه بعد خروجه إلى الحياةِ ، ويأتونه بالوحي من الله ، ويراقبون أعماله وتصرَفاتهِ ، وينزعون روحهُ إذا جاء أجلُه ، ويرافقونه في قبره ، ويستقبلونَ المؤمنين يوم القيامةِ ، ويسوقون الكافرين ويعذّبونهم في النّار .

وسنتكلّم في أربع نقاطٍ ومسائلَ هي :

1.        موقفُ الملائكةِ من المؤمنين
2.        واجبُ المؤمنِ تجاه الملائكة
3.        بيوتٌ لا تدخلُها الملائكة ، وأشخاصٌ لا تقربُهم الملائكةُ ، ومجالسُ لا تحضرُها  الملائكةُ .
4.        موقفُ الملائكةِ من الكفّارِ والفسَّاقِ .

(1)     موقفُ الملائكةِ من المؤمنين :
محبَّتُهم للمؤمنين وتسديدُهم للخير :
        في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "إن الله تبارك وتعالى إذا أحبَّ عبداً نادى جبريلَ إن الله قد أحبَّ فلاناً فأحبَّهُ ، فيُحبُّهُ جبريلُ ، ثم ينادي جبريلُ في السماء : إن الله قد أحبَّ فلاناً فأحبَّوه ، فيُحبَّه أهلُ السماء ، ويوضعُ له القبول في الأرضِ" متفق عليه
صلاتُهم على المؤمنين :
أي دعاءهُم لهم واستغفارهم لهم : قال تعالى (هو الذي يُصلِّي عليكم وملائكتُه...) الأحزاب (43)
 وهناك أعمالٌ تُصلِّي الملائكةُ على صاحبها وتستغفر له وتدعوا له بالخير ومنها :
أ‌)         معلمُّ الناسِ الخيَر :
قال رسولُ الله  صلي الله عليه وسلم "إنّ اللهَ وملائكتَهُ ، حتى النملةُ من جحرها ، وحتى الحوتُ في البحر ، ليصلَّون على معلمِ الناسِ الخيَر"  ت.طب .صحيح الجامع (2/133) عن أبي أمامة .
ب‌)      الذين يُصَلُّون في المساجد :
قال رسول الله  صلي الله عليه وسلم "أنّ الملائكةَ تصلِّي على الذي يأتي المسجدَ للصلاة ، فتقُول : اللهم صِّل عليه ، اللهم ارحمْه، ما لم يؤذِ فيه ، ما لم يُحدِثُ فيه) مسلم
ت‌)      بل تصلِّي على الصف الأول في الجماعة :
قال رسول الله  (صلي الله عليه وسلم) "إنّ الله وملائكتَه يصلُّون على الصفِّ الأول" حم . د. جه صحيح الجامع (2/133) وعند  الترمذي (إن الله وملائكتَه يُصلّون على الصفِّ المتقدَّم) ت. صحيح الجامع (2/134)
ث‌)      بل الذي يمكثُ في مصلاّهُ بعد الصلاةِ :
قال رسولُ الله صلي الله عليه وسلم "الملائكةُ تُصلِّي على أحدِكُم ما دامَ في مصَّلاهَ الذي صلَّى فيه ما لم يُحدثُ ،أو يقُم : اللهم أغفر له ، اللهم ارحمْه) د.ن . صحيح الجامع (6/21)
ج‌)       الذين يُسدُّون الفُرَجَ بين الصفوف :
قال رسولُ الله  صلي الله عليه وسلم "إنّ الله تعالى وملائكتَه يُصلُّون على الذين يَصلون الصفوفَ ومن سدِّ فُرجةً رفعه اللهُ بها درجةً" حم . جه .ك عن عائشة . صحيح الجامع (2/135)
ح‌)       الذين يتسحِّرون :
قال رسول الله  صلي الله عليه وسلم "إنَّ الله تعالى وملائكتَه يُصلُّون على المتسحِّرين" حب. طب. صحيح الجامع (2/135)
خ‌)       الذين يُصَلُّونَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم :
قال رسولُ الله  صلي الله عليه وسلم "ما من عبدٍ يُصلِّي عليَّ ، إلاّ صلِّت عليه الملائكةُ ، ما دام يُصلِّي عليَّ ، فليقُل العبدُ من ذلك أو ليكثر" حم . صحيح الجامع (5/174)
د‌)        الذين يعودونَ المرضَى :
قال رسولُ الله  صلي الله عليه وسلم "ما من امرئٍ مسلمٍ يعودُ مسلماً إلا أبتعث الله سبعين ألف ملك ، يصلَّون عليه في أي ساعات النهار كان ، حتى يُمسي ، وأي ساعاتِ الليل كانَ ، حتى يُصبح" حب. د. ك. صحيح الجامع (5/159)
 وغيرُها من الأعمال .

ومن موقف الملائكةِ من المؤمنين : التأمينُ على دعائهم :
قال رسولُ الله  صلي الله عليه وسلم "دعوةُ المرءِ مستجابةٌ لأخيه بظهر الغيب ، عند رأسه ملكٌ يُؤمِّنُ على دعائِه ، كلَّما دعا له بخير قال : آمين ، ولك بمثله"  جه عن أبي الدرداء وفي صحيح مسلم عن أمِّ سلمة قالت (لا تدعوُ على أنفسكم إلا بخير ، فإن الملائكةَ يُؤَمنّوُن على ما تقولون)

استغفارُهُم للمؤمنين :
قال تعالى (الذين يحملونَ العرشَ ومَنْ حولَه يُسِّبحُونَ بحمدِ ربِّهم وُيؤمنونَ به ، ويستغفرون للذين  آمنوا.....) غافر (7)

 شهودُهُم مجالسَ العلم وحِلَقِ الذكرِ ، وحفهُم أهلَها بأجنحتِهِم :
في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم قال "إنّ لِلهِ ملائكةً يطوفونَ في الطُرقِ يلتمسون أهل الذكرِ ، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله ، تنادَوا : هلُمُّوا إلى حاجتكم ، قال : فيحُفُّونَهم بأجنحتهم إلى السماءِ الدنيا)
وعند مسلم (وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوتِ الله...) الحديث

 تسجيلُ الملائكةِ الذين يحضرونَ الجمعة حتى يجلس الإمامُ على المنبر :
في صحيح البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله  صلي الله عليه وسلم "إذا كانَ يومُ الجمعةِ كانَ على كلَّ بابٍ من أبوابِ المسجدِ ملائكةٌ يكتبون الأول فالأولَ ، فإذا جلس الإمامُ طووا الصحفَ وجاءوُا يستمعون الذكر "

يُبلِّغُون الرسولَ عن أمَّتِه السلامَ :
عن ابن مسعودٍ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال "إن للهِ ملائكةً سباحيينَ يُبلِّغونَي عن أمَّتي السلامَ" حم . ن

يقاتلون مع المؤمنين ويُثبِّتُونَهم في جهادهم :
واللهُ عزّ وجلَّ أمدَّ المؤمنين في بدرٍ بالملائكةِ وعلى رأسهم جبريلُ : قال تعالى (إذْ تستغيثُونَ ربَّكمُ فاستجابَ لكم أنيِّ مُمِدُّكم بألفٍ من الملائكةِ مردفين) الأنفال (9) وقد قال رسولُ الله في يوم بدرٍ "هذا جبريلُ آخذٌ برأسِ فرسهِ ،عليه أداةُ الحربِ" البخاري وكذلك في غزوة الخندق قال تعالى  (فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها) الأحزاب (9)

شهودُ الملائكةِ لجنازةِ الصالحين :
قال رسولُ الله  صلي الله عليه وسلم في سعد  بن معاذ "هذا الذي تحرَّكَ له العرشُ وفُتحت له أْبوابُ السماءِ ، وشهدهُ سبعونَ ألفاً من الملائكةِ…) ن عن ابن عمر – صحيح الجامع (6/72)  وقولُه في عبد الله بن حِرامٍ والد جابر (مازالت الملائكةُ تظلُّه بأجنحتها حتى رفعتمُوه) خ

ما في موافقةِ الملائكةِ من أجر وثواب :
في الصحيحين أن رسولَ الله قال (إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنُوا ، فإنَّ من وافقَ تأمينهُ تأمينَ الملائكةِ غفَر له ما تقّدم من ذنبه) وفي البخاري (إذ قال الإمامُ أمين فإنّ الملائكة تقول في السماءِ أمين فمن وافق تأمينهُ تأمينَ الملائكةِ غُفر له ما تقدّم من ذنبه).

وإذا كان هذا موقفُ الملائكةِ من المؤمنين ، فتجبُ علينا تجاهُهم واجباتٌ .

2)       واجبُ المؤمنِ تجاه الملائكةِ :
أ‌)         أوّلُ واجب هو محبَّتُهُم وموالاتُهُم كلَّهمُ لأنهَّم جميعاً عبادُ اللهِ عاملين بأمرِه ، قائمين بعبادته على الوجه الأكملِ ، ولأنّهم يُحبّوننا ويُصلّون علينا ويسددوننا إلى كلِّ خيرٍ ، ويستغفرون لنا ويشهدون مجالس الخيرِ بإذن الله تعالى .
ب‌)      البُعدُ عن الذنوب والمعاصي لأنَ الملائكةَ لا تُحبُّها ولا تقربُها .
ت‌)      عدمُ إيذائِهِم بالروائحِ الكريهةِ لأنها تتأذى ممَّا يتأذى منه بنو آدم كما في الصحيحين .
ث‌)      عدم البصقِ عن اليمين أثناء الصلاةِ لأنَّ عن يمين المصلِّى ملكاً:
 في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال "إذا قام أحدُكم إلى الصلاةِ فلا يبصقْ عن أمامه فإنَّه إنَّما يناجيِ اللهَ مادام في مصلاه ، ولا عن يمينه فإنَّ عن يمينهِ ملكاً ، وليبصق عن يسارِه أو تحتَ قدمه فيدفنهُا " .
ج‌)       الامتناع عن كلِّ ما يمنعُ قربَ الملائكةِ أو دخولهمُ بيوتنَاَ أو مجالسَنَا .
ح‌)       بيوتٌ ومجالسُ وأشخاصٌ لا تقربُهم الملائكةُ :
 قال النوويُّ رحمه الله (إنّ سبب امتناعِ الملائكةِ من دخول بيتٍ فيه صورة كونُها معصيتهً فاحشةً وفيها مضاهاةٌ لخلقِ الله ، وسبب امتناع الملائكةِ عن دخول بيت فيه كلبٌ لكثرةِ أكلِ النجاساتِ ، ولأن بعضَها يسمَّى شيطاناً ، وسبب امتناع الملائكةِ من دخولِ بعضِ البيوتِ لرائحتها الخبيثةِ لأن الملائكةَ تتأذّى ممَّا يتأذى منه بنو أدم ، وكذلك إذا وُجدَ الشيطانُ في مكانٍ بسبب معصيةٍ ارتكبت فلا تدخلُه الملائكة لأنَّ الملائكةَ ضدُّ  الشياطين....)  شرح مسلم (14/84).
وقال المناويُّ رحمه الله :(ومن حضرتُه الشياطينُ تباعدت عنه الملائكةُ) فيض القدير (2/395)
وقال ابنُ حجر : (يُحرموا بركةَ الملائكةِ بعدم مخالطتهم لهم إذا ارتكبوا النُّهى...) فتح الحديث (5949)
وقال المناويُّ رحمه الله : (عندما نقولُ إنّ الملائكةَ لا تدخلُ بيوتَ كذا وكذا ، فلا نقصد كلَّ الملائكةِ ،  وإنما نعني ملائكةَ الرحمةِ ، والذين يطوفونَ على العباد للزيارة واستماع الذكر والاستغفارِ ونحوهم ، وأمَّا  الملائكةُ الحفظةُ فيدخلونَ في كل بيتٍ ، ولا يفارقونَ ابنَ آدم في كل حالٍ لأنهم مأمورون بإحصاءِ أعمالهِ وكتابتهِا ، وكذلك ملائكةُ الموتِ...) فيض القدير (2/394)

3)       وإلى استعراضِ بعض البيوتِ والمجالسِ والأشخاصِ الذين لا تقربُهُم الملائكةُ
1.        بيتٌ فيه كلبٌ : والنصوصُ كثيرةٌ في ذلك زمنها :
قوله صلى الله عليه وسلَّم (لا تدخلُ الملائكةُ بيتاً فيه كلبٌ ولا صورةٌ) رواه الستّة إلا أبا داود
وقوله (إنّ الملائكةَ لا تدخلُ بيتاً فيه كلب) الطبراني صحيح الجامع (1962)

قال ابنُ حجر (حديث 5949) : لا تدخلُ ظاهُرة العمومُ وقد يستثنى من ذلك الحفظةُ فإنَّهم لا يفارقون الشخصَ في كل حال ... وقولُه (بيتاً فيه كلب) المرادُ بالبيت المكانُ الذي يستقرُّ فيه الشخصُ سواء كانَ بناءً أو خيمةً أو غير ذلك ..
       بل أنَّ الوحيَ (جبريل) لا يدخل البيتَ الذي فيه كلبٌ أو صورة فقد روى مسلمٌ في صحيحة عن عائشة قصَّةَ مواعدةِ رسول الله جبريلَ ، فلم يأتي جبريلُ ، والتفت رسولُ الله فإذا جروٌ تحت سريره ، فأمر بإخراجه ، فجاءَ جبريلُ فقال : (منعني الْكلبُ الذي كانَ في بيتك ، إنّا لا ندخلُ بْيتاً فيه كلبٌ ولا صورةٌ)
  بل مع حرمانِ دخول الملائكةِ البيتَ فإنَّه ينقصُ من أجر صاحب البيت قيراطان من الأجرِ : قال صلى الله عليه وسلم "من اقتنى كلباً إلا كلبَ ماشيةٍ أو ضارياً نقصَ من عمله كلَّ يوم قيراطان" متفق عليه – صحيح الجامع (6077) أي ينقص من أجر عمله ويُحَبطُ بقدرِ قيراطين عن كل يوم من الأيامِ التي اقتناهُ فيها .

2.        رفقةٌ معهم كلبٌ : لا تصحبُهُم الملائكةُ .
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال "لا تصحبُ الملائكةُ رفقةً فيها كلبٌ أو جرسٌ" مسلمَ بشرح النووي (14/94). قال النوويَّ (ففيه كراهةُ استصحاب الكلب أو الجرسِ في الأسفار ، وأن الملائكة لا تصحبُ رفقةً فيها أحدُهما ، والمراد بالملائكةِ ملائكةُ الرحمةِ والاستغفار لا الحفظة )

3.        رفقةٌ معهم جرسٌ أو بيتٌ فيه جرسٌ :
ومرَّ معنا الحديثُ قبل قليل وكذلك قولُه صلى الله عليه وسلم (الجرسُ مزاميرُ الشيطان) حم . مسلم د.صحيح الجامع (3107) ومعنى مزامير الشيطان أي صوتَه ونغمتهَ واضلالَه ومنه حديث أبي بكر : أمزامير الشيطانِ في بيت رسول الله .
       قال النووي : (وأما الجرسُ فقيل سببُ منافرةِ الملائكةِ له أنهَّ شبيه بالنواقيس ، أو لأنه من المعاليق المنهي عنها ، وهذا الذي ذكرناه من كراهيةِ الجرس على الإطلاق هو مذهبنا ومذهبُ مالك وآخرين) شرح مسلم (14/94)
وقال رسول الله  صلي الله عليه وسلم "لا تصحبُ الملائكةُ ركباً معهم جُلجُلُ " (ن.حم) صحيح الجامع (7343) والصحيحه (1873)
والجلجُلُ : جرسٌ صغيرٌ يُعلّقُ في أعناق الإبل  والدواب .
       قال ابنُ حجر (فيحرمُوا بركةَ الملائكةِ بعد مخالطتهم لهم إذا ارتكبوا النهيَ واستصحبوا الجرسَ) فتح (5949)

4.        رفقةٌ فيها جلدُ نَمِر :
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم) "لا تصحبُ الملائكةُ رفقةً فيها جلدُ نَمِر " حسَّنة في صحيح الجامع (7345)

5.        لا تدخلُ الملائكةٌ بيتاً فيه  صورةٌ أو تمثالٌ :
في القرآن ورد تحطيمُ إبراهيمَ عليه السلام للأصنامِ والتماثيل ، وفي السُنّةِ ورد أن رسولَ الله حطّم الأصنامَ التي كانت حول الكعبةِ وعلى الصفا والمروة ، وجاءت النصوصُ الدّالةُ على تحريم التماثيل  والصَّورِ لأنها تعد ذريعةَ للوقوع في الشرك ، ولأن فيها مشابهةً لخلقِ الله تعالى ، ولأن فيها مشابهةً وتشبةً بالكفّار .
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "إنّ الملائكةَ لا تدخلُ بيتاً فيه تماثيلُ أو صورةٌ " حم . ت ، حب صحيح الجامع (1961)
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "إنّ الملائكةَ لا تدخلُ بيتاً فيه كلباٌ أو صورةٌ" متفق عليه . صحيح الجامع ( 1963)
قال المناويَّ (الصُّوَرُ أي ذواتِ الأرواح ، وإن لم يكن لها ظلٌ عند الجمهورِ ، لا صورةَ ما لا روح فيه كالشجر...) فيض القدير (2/324)
قال النوويَّ : (أمَّا من صنع الصَّوَر لتُعبدَ فهو كافرٌ ... وأما من لم يقصد بها العبادةَ ولا المضاهاة فهو فاسقٌ صاحبُ ذنب كبيرٍ ولا يكفُر كسائر المعاصي ) شرح مسلم (14/91)
   قال ابنَ بطالٍ (في هذه الأحاديثِ دلالةٌ على أنه صلى الله عليه وسلم كانَ ينقضُ الصورةَ سواء كانت مما له ظلٌ أم لا . وسواء كانت مما تُوطَأ أم لا ، سواءٌ في الثياب وفي الحيطانِ وفي الفُرشِ والأوراقِ وغيرها...) ذكره ابنُ حجر في الفتح (101/299)
وقال ابنُ بطال بعد ذلك (تماثيلُ : الشيءَ المصوّرُ أعمَّ من أن يكون شاخصاً أو نقشاً أو دهاناً أو نسجاً...) الفتح (10/299 )
وهذا ما فهمه السلفُ قبل ذلك ومنهم أبو هريرة  رضي الله عنه :
        ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه دخل داراً بالمدينة ، فرأى أعلاها مصوراً بصُوَرٍ ، فقال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : قال الله تعالى (ومن أظلمُ ممَّن ذهب يخلُقُ كخلقي ، فليخلقُوا ذرَّةً ... ثم دعا أبو هريرة بتورٍ من ماءٍ فغسل يديه..).
قال ابنُ بطالٍ (فهم أبو هريرة أن التصويَر يتناولَ ماله ظلٌ وما ليس له ظلٌ ، فلهذا أنكر ما يُنقشُ في الحيطان) .
قال النووي رحمه الله (قال أصحابنا وغيرُهم العلماء : تصويُر صورة الحيوانِ حرامٌ  شديدُ التحريم وهو من الكبائر... وصُنعتُه حرامَ بكل حالٍ سواء ما كانَ في ثوبٍ أو بساطٍ أو درهمٍ أو دينارٍ أو فلس أو إناءٍ أو حائطٍ أو غيرها أما تصويُر صورةِ الشجرِ ورحالِ الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورةُ الحيوانِ فليس بحرامٍ...) شرح مسلم (14/81)
في الصحيحين عن ابن عباسٍ أنّ رجلاً قال له :  إني أصوّرُ هذه الصور فأفتني فيها ؟ فقال له : ادنُ منِّى ، فدنا حتى وضع يده على رأسه وقال : أنبئكَ بما سمعتُ من رسول الله صلي الله عليه وسلم ، سمعتُه يقول "كلُّ مصِّورٍ في النّار  يُجعلُ له بكل صورةٍ صوّرها نفسٌ فيعذّبُه في جهنَّم ""  قال ابن عباس ( فإن كنتَ لابد فاعلاً فصُورِ الشجر وما لا روحَ فيه"
وأخيراً فائدةٌ : كلَّ صورةٍ قُطع رأسُها فلا تُسمَّى صورةٌ :
        عن ابن عباس أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال "الصُّورةُ الرأسُ ، فإذا قُطعَ الرأس فلا صورةَ" وصححَّه الألباني فى صحيح الجامع الصغير (3864) ( والصحيحة (1921) وقال معجم الاسماعيل.
قال الألباني : (ويشهدُ له حديث أبي هريرة (قال جبريل : فمُر برأس التمثالِ الذي في البيتِ يُقطعْ فيصيرُ كهيئةِ الشجرة.....) فهذا صريحٌ في أن قطع رأس الصورة يجعلُه كلا صورةَ ، وكذلك في الصورة المطبوعةِ على الورق أو القماش  .

6.        لا تحضُرُ الملائكةُ مجلساً لا يُذكرُ فيهِ اللهُ :
قال رسولُ الله صلي الله عليه وسلم "لا  يقعدُ قومٌ يذكرونَ اللهَ إلاّ حفّتهُمُ الملائكةُ ، وغشيتهُم الرحمةُ ونزلت عليهم السكينةُ ، وذكرهم اللهُ فيمن عنده) حم . مسلم صحيح الجامع (7757) فإذا لم يذكرِ اللهُ ابتعدت الملائكةُ وحضرتِ الشياطينُ .
لا تحضرُ الملائكة مجلساً فيه انتصارٌ للنفس :
في سنن أبي داود (بينما رسول الله جالسٌ ومعه أصحابُه ، وقع رجلٌ بأبي بكرٍ ، فآذاهُ ، فصمتّ عنهُ أبو  بكر ، ثم آذاهُ الثانية ، فصمت عنه أبو بكر ، ثم آذاهُ الثالثة ، فانتصر منه أبو بكر فقال رسول الله حين انتصر أبو بكر ، فقال أبو بكر : أوجدت عَليَّ يا رسول الله ؟ فقال رسول الله "نزلَ ملكٌ من السماءِ يُكذِّبُه بما قال لك ، فلمّا انتصرتَ وقع الشيطانُ ، فلم أكُن لأجلسَ إذْ وقع الشيطانُ" الصحيحة (2376)
والانتصارُ للنفس جائزٌ لمن ظُلِمَ ولكنَّه يمنع حضورَ الملائكةِ.

7.        أشخاصٌ لا تقربُهُم الملائكةُ : السكرانُ والجنُبُ والمتضمِّخ بالزعفران :
أما السكران : فهو مرتكبٌ لكبيرةِ وهو شربُ الخمر ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول (الخمرُ أمُّ الفواحشِ وأكبرُ الكبائرِ ، من شربها وقعَ على أمِّهِ وخالتهِ وعمَّتِه) طب – صحيح الجامع (3345) والصحيحة (1853) وهو حسنٌ ويوجدُ نصٌ صريحٌ في مفارقةِ الملائكةِ لمرتكب هذه الكبيرة
فعن بُريدة رضي الله عنه أن رسول الله قال (ثلاثةٌ لا تقربُهُم الملائكةُ : السكرانُ و المتضِّمخ بالزعفرانِ والجنُبُ) البزّاد – صحيح الجامع (3060) والصحيحة (1804) .

8.        وأمّا الجنُبُ :
فهو الذي يجبُ عليه الغُسلُ بالجماع سواءُ أنزلَ أم لم يُنزل ، أو بخروج المنيَّ بالاحتلام أو العادةِ  السرِّيةِ أو بشهوةٍ ما .
والمقصودُ هنا من يجعلُ تركَ الاغتسالِ من الجنابةِ عادةً له ولا يتوضأ قبل النوم إذا أراد أن يُؤخرَ الاغتسالَ إلى الصبح .
وفي صحيح البخاري أن رسول الله كانَ يغسلُ فرجَه ويتوضأ ثم ينامُ في الجنابةِ ، ولمّا سأل عمرُ رسول الله أنه تُصيبُهُ الجنابةُ من الليلِ ؟ فقال له (توضأ واغسل ذكرك ، ثم نَمْ) صحيح سنن أبي داود (221) .
فإذا توضأ الجنبُ قَربَتْ منه الملائكةُ :
فعن عمّارٍ أن رسول الله قال (ثلاثةٌ لا تقربُهُم الملائكةُ : جيفةُ الكافرِ ، والمتضمّخ بالخَلُوق ، والجنبُ إلا أن يتوضأ ) د . صحيح الجامع (1959) وصحيح الترغيب (168) .

9.        وأما المتضمِّخ بالزعفران (الَخلُوقِ) : وهو طيبٌ مركَّبٌ تغلبُ عليه الحمرةُ والصفرةُ وهو من طيب النساء .
 قال عّمارُ بنُ ياسرٍ رضي الله عنه : قدمتُ على أهلي ليلاً وقد تشققت يدايَ ، فخلَّقُوني بزعفران ، فعدوتُ على رسول الله ، فسلَّمتُ عليه فلم يردَّ عليَّ السلامَ ولم يُرحّب بي ، قال : اذهب فاغسل عنك هذا ، فغسلتُه  ثم جئتُ فسلمتُ عليه فردَّ عليَّ ورحّبَ بي ، وقال : (إن الملائكةَ لا تحضرُ جنازةَ الكافرِ بخير ، ولا المتضمخ بزعفرانَ ، ولا الجنُبَ) رواه أحمد وأبو داود– وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1960) وصحيح الترغيب (168).
قال المناويُّ رحمه الله (من حضرته الشياطينُ تباعدت عنه الملائكةُ ، والمتلطخُ بالزعفرانِ لا تحضرُهُ لحرمةِ ذلك على الرجلِ لما فيه من الرعونةِ والتشبُّهِ بالنساء...) فيض القدير (2/395).
وقال ابنُ حجر (اختُلفِ في النهي عن التزعفُر هل هو لرائحتِه لكونه من طيب النساء أو للونه) فتح (5846).

10.     ومن البيوتِ التى لا تدخلُها الملائكةُ ، بيتٌ فيه روائحُ كريهةٍ :
مثلُ روائحِ النجاساتِ والزبالاتِ والسجائرِ ورائحةِ الثومِ والبصلِ وما شابهها :
قال رسول الله (من أكلَ من هذه البقلةِ : الثومِ والبصلِ والكراتِ ، فلا يقربنا في مساجدنا ، فإنَّ الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذى منه بنو آدم) م.ت.ن.صحيح الجامع (6089) .
وقال أيضاً (إيّاكمُ وهاتين البقلتين المنتنتين أن تأكلوهما وتدخلوا مساجدنا ، فإن كنتمُ لابد آكلوهما ، اقتلوهما بالنّارِ قتلاً) طب . صحيح الترغيب والترهيب .
وكذلك وجودُ النجاساتِ بتركها مدَّةً طويلةً حتى تظهرَ رائحتها مما يمنع دخول الملائكةِ :
فعن عبد الله بن يزيد أن رسول الله قال (لا يُنقَعْ بولٌ في طستٍ في البيتِ ، فإنَّ الملائكةَ لا تدخلُ بيتاً فيه بولٌ منتقَعٌ....) طب. ك . وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (147) .
 فهذه بعضُ البيوتِ التى لا تدخلها الملائكةُ ،وبعضُ المجالس والأشخاص التي لا تقربُها الملائكةُ ، فينبغي على المؤمن أن يتخلص ممَّا يمنع من حضورِ وقرب الملائكةِ منه ، فإذا حضرتِ الملائكةُ وقرُبَتْ نَفَعهُ الله بهم وباستغفارِهِمِ وتسديدهمٍ .

قد علمنا سابقاً موقفَ الملائكةِ من المؤمنين فما هو موقفهم من الكفّار والفساقِ ؟

4)       موقف الملائكةِ من الكفّار والفسَّاقِ :
        دلتِ النصوصُ على أن الملائكة لا يُحبُّونَ الكفرةَ الظالمين ، بل يعادونهم ويحاربونهم ، كذلك دلت النصوص على لعنِ الملائكةِ لبعض العصاة من المؤمنين كالمرأةِ التي لا تستجيبُ لزوجها إذا دعاها إلى فراشه كما في صحيح البخاري ، وكذلك لعنُهُم للَذي يشيرُ إلى أخيه بحديدة في صحيح مسلم وهكذا في ذنوبٍ دلت  عليها النصوص .

وآخر دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين ،،