الخميس، 17 سبتمبر 2015

أحكام الأضحية

* الأضحيــــة : اسم لما يُذبح من الأنعام بسبب عيد الأضحى تقرباً إلى الله تعالى ، وهي مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة . قال الله تعالى )فصلِّ لربِّك وانحر(  وقال ابن عمر : (أقام النبي صلي الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يُضحي) أحمد والترمذي ـ فتح 13/65 . وعن أنسٍ قال : (ضحَّى النبي بكبشين أملحين أقرنين ، ذبحهما بيده ، وسمىَّ وكبّر ، ووضع رجلَه على صفاحِهما) متفق عليه ـ خ 5233/ م 1966 .
*حكـم الأضحيـة : اختلف العلماء في الأضحية على قولين : واجبة وسنة مؤكدة . والراجح هو أن الأضحية واجبة على المستطيع وهو قول الأوزاعي والليث ومذهب أبي حنيفة وروايةٌ عن أحمد وابن تيمية وقال (هو أحد القولين في مذهب مالك أو ظاهر مذهب مالك) وقال ابن تيمية (ووجوبها مشروط بأن يقدر عليها فاضلاً عن حوائجه) فتاوى 23/162  ،وأدلة الوجوب هي :
1- قال ابن عمر (أقام النبي بالمدينة عشر سنين يُضحي) أحمد والترمذي ـ ما تركها ولو مرة واحدة .
2- قوله صلى الله عليه وسلم " يا أيها الناس إنّ على أهل كل بيتٍ أضحيةً في كل عام) قال ابن حجر في الفتح ـ أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي وحسنه الترمذي ـ قلتُ وهو في صحيح أبي داود 2487
3- قوله صلى الله عليه وسلم " من وجد سعة فلم يُضحِ فلا يقربنّ مصلانا " رواه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم ، قال ابن حجر في الفتح رجاله ثقات ـ وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه
4- قال الله تعالى )فصلِّ لربِّك وانحر( أمر بالنحر بعد الصلاة ، والأمر للوجوب .
5- قوله صلى الله عليه وسلم " من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله " متفق عليه . قال شيخ الإسلام (والأظهر وجوبها فإنها من أعظم شعائر الإسلام ، وهي النسك العام في جميع الأمصار والنسك مقرون بالصلاة وهي ملة إبراهيم الذي أُمرنا باتباع ملته ، وقد جاءت الأحاديث بالأمر بها ، ونفاة الوجوب ليس معهم نص) الفتاوى (23/162) . قال الشيخ العثيمين (صرح كثير من أرباب هذا القول ـ أنها سنة مؤكد ـ بأن من تركها يكره للقادر وذكر في جواهر الإكليل شرح مختصر خليل أنها إذا تركها أهل بلد قوتلوا عليها لأنها من شعائر الإسلام) كتاب إطعام الأضحية
* هل تُجزىْ القيمة في الأضحية؟ لا تُجزىْ القيمة في الأضحية لأنه لم يُنقل عن رسول الله ذلك ولم ينقل عن أحدٍ من الصحابة ولا الأئمة أن أحداً منهم أخرج القيمة ولو مرة ، ولأن الله عزوجل قال  )فصلِّ لربِّك وانحـر(
 ولأن إراقة الدم والذبح هو المراد من الأضحية وإخراج القيمة تعطيل لهذه الشعيرة.  قال ابن القيم ( لو تصدق عن دم المتعة والقران بأضعاف أضعاف القيمة لم يقم مقامه، وكذلك الأضحية ، والله أعلم) تحفة المودود بأحكام المولود صـ36 ، وهكذا قال ابن تيمية (26/304) . بل أن الناس أصابهم ذات سنةٍ مجاعةٍ في عهد النبي في زمن الأضحية ولم يأمرهم بصرف ثمنها إلى المحتاجين بل أقرّهم على ذبحها وأمرهم بتفريق لحمها كما في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع . ولو عدل الناس عن ذبح الأضحية إلى الصدقة لتعطلت شعيرةٌ عظيمة ذكرها الله في القرآن وفعلها رسول الله وسماها سنَّة المسلمين .
* وقتهــا : أول وقت الأضحية بعد صلاة عيد الأضحى ، وآخر وقتها غروب شمس آخر أيام التشريق . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من ذبح بعد الصلاة فقد تم نُسُكه وأصاب سنّة المسلمين " البخاري . وقال صلى الله عليه وسلم " كلُ أيام التشريق ذبح " أحمد وابن حبان والبيهقي . وقال صلى الله عليه وسلم " من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها  "متفق عليه . فوقتها من بعد صلاة العيد إلى أيام التشريق .
* جنسُ ما يُضحـى بـه : قال تعالى )ولكلِّ أمةٍ جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ( وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم من ضأنٍ أو معزٍ فلا يجزئ غيرها .
* شـروط الأضحيـة وموانعهــا :
أما شروطها : 1) أن تكون مُلكا للمضحي غير مغصوبة أو مسروقة أو مرهونة أو أمانة أو غيرها .
                2) أن تكون من بهيمة الأنعام بدليل الآية وفعله وأمره صلى الله عليه وسلم .
                3) أن تكون بالغة السن المعتبر شرعاً بأن يكون ثنياً لحديث (لا تذبحوا إلا مُسنَّةً ، إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعةً من الضأن) مسلم . والثنيُ من الإبل ما تم له خمس سنين ، ومن البقر ما تم له سنتان ، ومن الغنم ما تم له سنة ، والجذع نصف سنةٍ .
أما موانعهـا : فهي العيوب المانعة من الأجزاء وهي المذكورة في حديث البراء بن عازب قال ( قام فينا رسول الله فقال:" أربعٌ لا تجوز في الأضاحي ـ وفي رواية لا تجزىء : العوراءُ البيّن عورها ، والمريضة البيّن مرضها ، والعرجاء البيّن عرجها ، والكسير التي لا تنقى " (العجفاء) الضعيفة . رواه الخمسة . والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم .
الأولى : العوراء البين عورها وهي التي انخسفت عينها أو برزت ، وتلحق بها العمياء التي لا تبصر .
الثانية : المريضة البين مرضها كالحمى والجرب الظاهر والمبشومة ، وكذلك ما أصابها سبب الموت كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع .
 الثالثة : العرجاء البين ظلعها وهي التي لا تستطيع معانقة السليمة في الممشى ، وكذلك مقطوعة الرجلين .
الرابعة : الكسيرة أو العجفاء (الهزيلة) التي لا تُنقى أي ليس فيها مخ في عظامها .
هذه العيوب المانعة من الأجزاء ، فمتى وُجد واحد منها في بهيمةٍ لم تجزْ التضحية بها لفقد أحد الشروط وهو السلامة من العيوب المانعة من الأجزاء .
* صفــة الذبـح : من كان يحسن الذبح فليذبح بنفسه ، ولا يوكِّلْ في ذبحها لحديث أنسٍ رضي الله عنه    (ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين أملحين ، فرأيته واضعاً قدمه على صفاحهما يسميّ ويكبّر فذبحهما بيده) متفق عليه خ 5233/ م 1966 ، ولأن الذبح قربة وكون الإنسان يتولى القربة بنفسه أفضل من الاستنابة . قال البخاري رحمه الله (أمر أبو موسى بناته أن يُضحين بأيديهن) فتح الباري (10/19) وفي صحيح مسلم أن رسول الله نحر ثلاثاً وستين بدنة بيده واستناب علياً في نحر ما بقي من بُدنه ـ كتاب الحج . ولذلك تجوز الاستنابة في الذبح .
وعند الذبح تراعى الأمور الآتيــة :
1- الإحسان إلى الذبيحة بعمل كل ما يُريحها عند الذبح : عن شدّاد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إنّ الله كتب الإحسان على كلِ شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتْلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليُحدَّ أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته " مسلم 1955 . عن ابن عمر قال (أمر النبي بحدِّ الشّفار وأن توارى عن البهائم ، وقال : إذا ذبح أحدكم فليجهز) رواه أحمد وابن ماجه ـ صحيح الترغيب صـ529 ج1ـ وانظر شرح النووي لمسلم (13/113)
2- تجب التسمية عند الذبح : قول (بسم الله) فقط : قال تعالى  )فكلوا مما ذُكر اسم الله عليه( الأنعام118 ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" ما أنهرَ الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا " متفق عليه خ/2356 م/1968. قالت عائشة (وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال : بسم الله) مسلم 1967 ـ وانظر أضواء البيان (5/638)
3- لابدَّ من إنهار الدم ويكون ذلك بقطع الحلقوم والمريء والودجين .
فائدة : (كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته ولو كثر عددهم . قال عطاء : سألت أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه : كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله فقال : إن الرجل يُضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون) رواه مالك والترمذي وابن ماجه ، وإسناده حسن .
فائدة أخرى (يُحرم أن يبيع شيئاً من الأضحية لأنها مالٌ أخرجه لله فلا يجوز الرجوع فيه كالصدقة ، أما من أهدي شيء منها أو تُصدق به عليه فله أن يتصرف فيه بما يشاء لأنه ملك)
* حكم الأكل من الأضحية والإطعام والتصدق والإدخار :
      قال تعالى )فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير(
وقال صلى الله عليه وسلم :"كلوا وادخروا وتصدقوا " رواه مسلم من حديث عائشة ، وقال أيضاً (كلوا وأطعموا وادخروا) رواه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع . والإطعام يشمل الصدقة على الفقراء والهدية للأغنياء . وقال أبو بردة للنبي صلى الله عليه وسلم (اني عجلت نسيكتي لأُطعم أهلي وجيراني وأهل محلتي ) والنبي صلى الله عليه وسلم أمر في حجة الوداع من كل بدنة ببضعةٍ فجعلت في قدرٍ فطُبخت فأكل من لحمها وشرب مرقها) رواه مسلم من حديث جابر . فذهب بعض العلماء إلى وجوب الأكل منها ومنع الصدقة بجميعها لظاهر الآية والأحاديث التي تأمر بالأكل منها ، والأمر يدل على الوجوب .ووردت آثار عن السلف
كلها تدل على حرصهم على الأكل منها والإطعام ، عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود والشافعي وأحمد  ولا يوجد في النصوص مقدار ما يؤكل ويُتصدق به ويُطعم .
فائدة (لا يُعطى الجازر أُجرته من الأضحية لأن ذلك معاوضة وهي في معنى البيع وقد ورد عن علي رضي الله عنه قال (أمرني رسول الله أن أقوم على بُدنه وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلَّتِها وأن لا أعطي الجازر منها  قال(نحن نعطيه من عندنا) وفي رواية (ولا يُعطى في جزارتها منها شيئاً) متفق عليه خ 1630 ـ م 1317 لكن إن دفع إلى جازرها شيئاً لفقره أو على سبيل الهدية فلا بأس لأنه مستحقٌ للأخذ ويعطيه أجرته كاملة مع الهدية) راجع فتح الباري (3/556)
سؤال مهم : سُئل الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله : ما حكم إرسال الأضاحي أو الهدي لتُذبح في الخارج وما هي المحذورات في ذلك ؟ فأجاب حفظه الله (الأضاحي تُضحى في بلاد المضحين ، فإن رسول الله لم يُنقل عنه أنه ضحى إلا في محل إقامته في المدينة ، والأفضل أن يباشرها بنفسه فإن لم يستطع فعليه أن يوكل من يذبحها أمامه ، وإذا نُقلت الأضاحي إلى بلادٍ أخرى يحصل من ذلك بعض المحذورات لأنه ليس المقصود من ذبح الأضاحي مجرد اللحم لكن المقصود الأهم هو التقرب إلى الله تعالى بالذبح والله يقـول )فصلِّ لربِّك وانحر( فنصيحتي للمسلمين أن يتولوا ذبح أضاحيهم بأنفسهم في بلادهم وأن يأكلوا منها ويطعموا منها ويظهروا شعائر الإسلام .
أحاديث ضعيفة تتعلق بالأضحية من سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني :
1-    حديث (ما عمل ابن آدم في هذا اليوم أفضل من دم يراق ، إلا أن تكون رحماً توصل) الضعيفة (525) .
2-   حديث (ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحبّ إلى الله من اهراق الدم ، إنه ليُاتى يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها ، وأن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً) (526)
3-   حديث (الأضاحي سنّة أبيكم إبراهيم ، قالوا : فما لنا فيها؟ قال : بكل شعرة حسنة قالوا : فالصوف؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة) موضوع ـ الضعيفة (527)
4-   حديث (يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عمِلته ، وقولي (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) حديث منكر ـ الضعيفة (528)
5-    حديث (من ضحى طيبة بها نفسه ، محتسباً لأضحيته كانت له حجاباً من النار) موضوع ـ الضعيفة (529)
6-    حديث (ننسخ الأضحى كل ذبحٍ ، وصوم رمضان كل صومٍ) ضعيف ـ الضعيفة (904)
7-     حديث (أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها) ضعيف ـ الضعيفة ( 1678 )

هذا ما تيسر جمعه من الأحكام التي تتعلق بالأضحية، نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا ويرزقنا العمل به ،

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الحقَّ وأسبابُ رفضِه

فإن هذا الموضوع من أهم المواضيع التي يجب أن يعتني بها المسلم للنجاة يوم القيامة ، فما هو الحقَّ ؟ وما هي علاماتُه ؟ ولماذا يمتنع الناس عن قبوله وهو حقٌّ ؟ والله عزّ وجلَّ أخبرنا بأنه خلق السموات والأرض بالحقَّ ، وأنه أنزل القرآن بالحقُّ ، قال تعالى  (وبالحقِّ أنزلنا ، وبالحق نزل).
*والحقُّ هو : كلُّ ما جاء في القرآن والسنّةِ من العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك وغيرها ، وبفهم الصحابة والتابعين والأئمةِ ومن سار على ذلك إلى يوم القيامة .
*والحقّ لا يتعـدّد : لأن الربُّ المعبود واحد ، والرسولُ المبلّغ واحد ، وإلا لما ذكر العلماء طرق الجمع والترجيح ولما وُجدت ردود العلماء على بعضهم البعض في المسائل المختلف فيها .
*وأما علاماته فهي : موافقة القرآن والسنّةِ وفهم السلف في كل شيءِ ، وكذلك موافقة القواعد الشرعيةِ وإجماع الأمّة والقياس المعتبر . وهذه أدلة الشريعة المتفق عليها .
أما أسبابُ امتناع الناس عن قبول الحق فهي :
1-      التقليدُ للآباء والأجداد :
 * قال الله تعالى  (وكذلك ما أنزلنا في قريةٍ من نذيرٍ إلا قال مترفُوها إنا وجدنا آباءَنا على أمّةٍ وإنّا على آثارهم مقتدون)
2- الغلوُّ في الرجال وعدمُ إنزالهم المنزلةَ التى أنزلها اللهُ إيّاهُم :
  * المعلومُ أنه لا معصوم  من الخطأ والسهو والجهل في بعض الأمور إلا رسولُ الله صلي الله عليه وسلم والإسلامُ شرع لنا تقديرَ العلماء واحترامَهُم وإنزلَهُم المنزلةَ التي يستحقونها ، وكذلك بيّن لنا أنه لا معصوم إلا رسول الله صلي الله عليه وسلم .
   * ولذلك قال الإمام مالك رحمه الله (كّلٌّ يؤخذُ من قوله ويُردُّ إلاّ صاحبَ هذا القبر صلي الله عليه وسلم) ، وقال ابنُ تيمية رحمه الله (وأما الصدّيقون والشهداءُ والصالحون فليسوا بمعصومين ، وأما ما اجتهدوا فيه ، فتارةً يصيبون وتارةً يخطئون ، فإذا اجتهدوا وأصابوا فلهم  أجران ، وإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجرٌ واحدُ على اجتهادهم ، وخطؤُهم مغفورٌ لهم) الفتاوى (35/69) .
* فالواجبُ تجاه العلماء موالاتُهم واحترامُهُم والأخذُ عنهم وعدمُ القدح فيهم والحذرُ من تخطئِتهم والتماسُ العذر لهم ، واعتقادُ عدم عصمتِهم والحذرُ من زلاتِهِم والثقة بهم ، فهذه منزلةُ العلماء من أهل السنّةِ والجماعة أهلِ الحديثِ ، وقضيةُ  الغلوِّ في الرجال منتشرةٌ في هذه الأيام حتى بين الملتزمين المستقيمين ، وطالبُ الحقِّ لا يهولُه اسمُ مُعظِّمِ كائناً من كان ، قال عليُّ رضي الله عنه (إنّ الحقَّ لا يُعرفُ بالّرجال ، إعرف الحقَّ تعرف أهلهُ ) .
3- من أسبابِ رفض الحقِّ : العادات والتقاليد التي نشأ عليها الناس :
      فمن الناس من يرفض الحقَّ لأنه مخالفٌ لعاداتهم وتقاليدهم ، والعادات والتقاليد منها ما هو موافقٌ للشرع ، ومنها ما هو مخالفٌ ومضادٌ للحقِّ وهذه المقصودة فهناك عاداتٌ في المظهر أو الملبس أو التعامل أو حتى آداب الطعام مخالفةٌ للحق ، فمن أمثلة العادات المخالفة للحق : الدخولُ على النساء ومصافحتُهُنَّ من قبل غير المحارم ، وبعضُ الرقصات الشعبية والفنون الشعبية ، والإسرافُ في الولائم ، وحلق للحى ، وغيرها من التقاليد التي تخالف الشريعة .
4- ومن أسباب رفض الحق : الكبْـرُ :
 * وكما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " الكبْرُ بطرُ الحقَّ ، وغمطُ الناس " متفق عليه ، وعند مسلم مرفوعاً (لا يدخلُ الجنّةَ مَنْ كانَ في قلبه مثقالُ ذرّةٍ من كبرْ) وبطر الحق أي ردّه .
والكبــرْ : خُلُقٌ باطنٌ تصدُر عنه أعمالٌ ، وذلك الخلقَ هو رؤيةُ النفس فوقَ الغيرِ في صفات الكمال ، فإنَّ الإنسانَ متى رأى نفسَه بعين الاستعظامِ ، حقَرَ مَنْ دونه ، والمتكبّرُ لا يقدُر على التواضع ولا على ترك الحقد والحسد والغضب ، وكذلك لا يقدر على قبول النصح ، ولذلك يرفض الحقَّ ويمتنعُ عن قبوله ، فتراهُ يترفعُ في المجالس ويتقدم على الأقران ، وينكرُ على من قصَّر في حقِّه ، ويزكِّي نفسَه ، يفاخرُ بنَسَبِه وقبيلتِه وأصله * فالكبرُ يؤدي إلى رفضِ الحقِّ ، ويجبُ علاجُه بالتواضع للناس وذلك بالمواظبة على استعمال خلقِ المتواضعين ، وكذلك بتذكرّ أصلَه وأنه من تراب ثم من نطفةِ ... وهكذا .
5- ومن أسباب رفض الحق: العصبيّةُ والحزبيَّةُ للأفرادِ وللجماعات وللأحزاب والقبائلَ والمذاهب والأشخاص:
والعصبيّة هي الحبُّ والبغضُ لأجل الحزب أو المذهب أو الجماعة أو القبيلةِ ، وآثارها كثيرةٌ منها أنها تؤدي  إلى الافتراق والاختلاف ، وردِّ كلِّ ما يخالفُ مبادئها ولو كانَ حقاً ، فالمتعصّبُ لحزبٍ يردُّ كلَّ حقٍّ يخالفُ ما عليه حزبُه !! والمتعصّبَ لمذهب من المذاهب ، يردُّ الحقَّ الذي يخالفُ مذهبَه ولو كان حديثاً ثابتاً ، والمتعصبُ لشيخٍ يردُّ الحقَّ الذي يخالفُه شيخُه ، والمتعصبُ لقبيلتِه كذلك ، ولذلك فالعصبيُّة والحزبيةُ لغير الله ورَسوله ، محرَّمةٌ لا تجوز لأنها تؤدي إلى رفض الحق .
6- ومن أسباب رفض الحقِّ : الحسدُ وهو تمنيِّ زوال النعمةِ عن المحسود :
      يرى أنّك على حق فيحسدك ولا يعمل بالحق ويتمنيَّ أن يزول عنك ، قال الله تعالى ) وَدَّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردُّونكم من بعد إيمانِكم كُفَّاراً حسداً من عند أنفُسِهِم من بعد ما تبيَّن لهمُ الحقُّ ... ( 109 البقرة ، وكذلك فإن هناك من المسلمين من أهل البدع والأهواء يرفضون قبول الحق من أهله ، حسداً ، ولذلك قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " دَبَّ إليكُم داءُ الأمم قبلكم ، الحسدُ والبغضاءُ " صحيح سنن الترمذي 2038 – صحيح الجامع 3361 .
7- ومن الأسباب : البغضاءُ والعداوةُ الشخصيةُ :

      فلا يقبل الحقَّ من فلانٍ لأنه يكرهُه ويعاديه ، ولو قال بالحقِّ غيُره لقَبِلَهُ منه ، ولذلك من الأهمية للداعية إلى الحق أن يكسبَ قلوب الناس حتى يقبلوا ما عنده من الحقِّ .

8- ومن أسباب رفض الحق : اعتناقُ وتبنيِّ أفكارً ومذاهبَ مخالفةً للحق :
      مثل الأفكار العلمانية والإلحادية وغيرها ، وكذلك تبنيِّ أصولاً لأحزابٍ ، وهذه الأصولُ أو بعضُها ضدُّ الحق ، فيرفضُ الحقَّ لأنه يخالفُ ما تبنّاهُ من أفكارٍ وعقائد .

9- ومن أسباب رفض الحق : الجهلُ به :
       ومن جهلَ شيئاً عاداهُ وعادى أهله ، فكثيرٌ من الناس يعادون الحقَّ وأهل َ الحقٍ لأنهم يجهلون الحقَّ ، يجهلون أن الحقَّ هو القرآنُ والسنّةُ وفهمُ السلف الصالح لهما ، فلذلك أنه من الواجب على أهل الحقَّ أن يُعلِّموا الناسَ الحقَّ ، ويُبَيِّنُوُهُ لهم في جميع  الأماكن والمناسبات .

10- ومن أسباب رفض الحقّ : التأثُر بأقوال أعداء الحقِّ المخالفين له :
        لذلك من أصول أهل السنّة والجماعة السلفِ الصالح أهل الحديث : عدم مجالسة ومصاحبة أهل البدع والأهواء ، لماذا ؟ حتى لا يتأثر المسلمُ بأقوالهم وأفعَالهم ، ومن المخالفين للحق من يشوّه صورة الحقِّ وأهلهِ فيقولون هؤلاء متشدّدون ، متزمّتُون  وهابيون ، فيسمعُهُم أناسُ فينفُرون من الحقِّ وأهله ، فيرفضون الحقّ .

11- ومن أسباب رفض الحق : اعتقادُ أن أهل الحقِّ هم الكثرة من الناس :
   فيقول : كلُّ هؤلاء الناس الملايين خطأ وأنتُم القلّةُ أهلُ الحق ، فيرفض الحقَّ ، ويجهلُ أو ينسى أن أهل الحقِّ هم القلّةُ في كل زمان ، قال الله تعالى ) وما أكثرُ الناس ولو حرصت بمؤمنين (ويقول الله تعالى) وإن تُطعْ أكثر مَنْ في الأرض يضلُّوك عن سبيل الله ( ويقول صلي الله عليه وسلم عن الغرباء " ناسٌ صالحون قليل في أُناسِ سوءٍ كثير ، مَنْ يعصيهم أكثُر ممَّن يطيعُهُم " وقال الله تعالى (... إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ وقليلٌ ما هُم ... )

12- ومن أسباب رفض الحقّ : الضغطُ الاجتماعيُّ :
    أحياناً يُرفضُ الحقَّ بسبب الضغوط الاجتماعية والقبليّة
أمثلة : أ) عندما قذف هلالُ ابنُ أمَّية رضي الله عنه امرأتَه ، وتلاعنا ، فلمَّا شهدت المرأة أربع شهادات أنه من الكاذبين ، وجاءت الخامسة أن غضب الله عليها ، أوقفوها وقالوا لها : إنّها موجبة ، قال ابن عباس : فتلكَّأت ونكصت ، حتى ظنناَّ أنها ترجع وتعترف ، ولكنها قالت : لا أفضح ُ قومي سائر اليوم ، فمضت وأكملت الخامسة ، فرفضت الحق بسبب خوف فضيحة أهلها . والحديث في صحيح البخاري وغيره .

ب) وكذلك : ما الذي حمل آبا طالب على رفض الحقَّ ، الضغطُ الاجتماعي ، قال : ولقد علمتُ أن دينَ محمدٍ من خيرِ أديانِ البَريَّةِ دينا : لكنْ لولا الملامةُ أو حذارُ مَسَبَّةٍ لوجدتني سمحاً بذاك مُبينا .

- وكثيرٌ من الناس يريدُ أن يلتزم بالحقّ ولكنه يرفضه لأنه يستسلم للضغوط الاجتماعية .

فهذه بعض أسباب رفض الحق التي عليها كثيرٌ من المسلمين

وأخيــراُ :

-  يجب علينا أن نتجرِّد ، ونضعَ الحقَّ فوقَ كلِّ اعتبار ، ونتحرر من كل ما يمنعنا عن قبول الحق .
-   يجبُ علينا أن نتعلَّم الحقَّ ونسألَ عنه .
-  والحقُّ هو القرآن والسنّة وفهم السلف الصالح لهما .
-   ويجبُ علينا كذلك أن نبيّن للناس هذا الحقِّ ونصبر على ذلك .

نسأل الله عز وجل أن يرينا الحق ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل ويرزقنا اجتنابه
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِ العالمين

الأربعاء، 2 سبتمبر 2015

حكمُ دخول الجنبُ والحائضِ والنفساءِ المسجدَ

فهذا بحثٌ مختصرٌ لمسألةِ دخولِ الجنُبِ والحائضِ والنفساءِ المسجدَ ، اعرضُ فيه أقوالَ أهل العلم وسبَبَ إختلافهم وأدلَّتَهم مع الترجيح دون تعصبٍ لأحد .
* ذكر العلامةُ ابنُ رشد رحمه الله في بداية المجتهد (1/46) هذه المسألة
فقال ( قومٌ منعوا ذلك بإطلاق وهو مذهبُ مالك وأصحابِه ، وقومٌ منعُوا ذلك إلا لعابرٍ فيه لا مقيم ، ومنهم الشافعيّ ، وقومٌ أباحُوا ذلك للجميع ومنهم داودُ وأصحابُه ... ) أ.هـ نقل ابنُ كثير في تفسيره (1/502) قولاً رابعاً وهو (متى توضأ الجنُبُ جاز له المكثُ في المسجد) وذكره عن الإمام أحمد ، أ . هـ
وكذلك ذكره الشوكاني في نيل الأوطار(1/251) عن اسحق بن راهوية وابن قدامه .

* إذاً في هذه المسألةِ أربعةُ أقوال على النحو التالي:
(1) تحريمُ المكثِ في المسجد جالساً أو قائماً أو متردداً على أي حالٍ كان متوضئاً أو غيره ويجوزُ له العبور من غيرِ لُبثٍ كانَ له حاجةً أم لا : وهذا مذهبُ الشافعيةِ ، نقله النوويُّ في المجموع (2/173) واحتجُّوا بقوله تعالى )يا أيها الذين آمنُوا لا تقربوا الصلاةَ وأنتمُ سكارى حتى تعلمُوا ما تقولون ، ولا جُنُبناً إلاّ عابري سبيلٍ حتى تغتسلوا) النساء (43) قالوا : معناها : لا تقربوا موضع الصلاة وأنتمُ جنباً إلا عابري سبيل يعني إلا مجتازين فيه للخروج منه واحتجُّوا أيضاً بحديث جسرةَ بنتِ دجاجة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم" وجِّهُوا هذه البيوتِ عن المسجدِ فإنِّي لا أُحلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا لجنُب ) رواه أبو داود .

(2) كالقولِ الأول إلا أنَّهم يُبيحُون العبورَ للحاجة فقط ، مِنْ أخذِ شيءً أو تركه أو كونِ الطريقِ منه ، فأما لغيرِ حاجةٍ فلا يجوزُ بحالٍ إلاّ إذا توضأ الجنبُ فله اللبثُ في المسجد .
وهذا مذهب الحنابلةِ كما ذكره ابنُ قدامة في المغني (1/200) وهو قول اسحق بن راهوية وشيخ الإسلام(313)
واحتجُّوا بالآيةِ السابقةِ وحديثِ جسرة بنتِ دجاجة ، وحديثِ عائشة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال لها (ناوليني الخُمرةَ من المسجدِ ، فقالت أني حائضٌ ، قال : إنّ حيضَتَكِ ليست في يدِك) مسلم والأربعة وكذلك حديث عطاء بن يسارٍ قال (رأيتُ رجالاً من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوءَ الصلاة) رواه سعيد بن منصور والبخاري في التاريخ الكبير بإسناد حسن ونقله الشوكانيُّ في نيل الأوطار (1/251) .
(3) القول الثالث : تحريمُ المكثِ والعبورِ بأي حالٍ وبأي شكلٍ مطلقاً :
وهو مذهب الحنفية (فتح القدير 1/114) ومذهب المالكية (المدونة1/32) وذكرهما ابنُ حزم (2/185) واحتجُّوا بحديث جسرةَ بنتِ دجاجة وكذلك الآية السابقة ، وحديث أبي سعيد الخدري قال : قال النبيُّ صلي الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب " يا عليٍّ لا يحلُّ لأحدٍ يُجنبُ في هذا المسجد غيري وغيرك " رواه الترمذي بإسنادٍ ضعيفٍ ، فيه عطيةُ العوفي لا يحتجُّ به ، قال الترمذي : استغربه البخاريُّ .

(4) القولُ الرابعُ : إباحةُ المكثِ في المسجد للجنب والحائضِ والنفساءِ ، مطلقاً دون قيدٍ ولا شرط : وهو مذهبُ الظاهرية داود وابن حزم (2/184) ، وذهب إليه ابنُ المنذر وأحمد والمزني من الشافعية كما في المجموع للنووي (1/173) ، وذكره الخطابي في معالم السنن أنه قول أحمد بن حنبل والظاهرية ، ورجحه الألباني في تمام المنّةصـ119 وقال البغويُّ في شرح السنّةِ (2/46) (وجوّز أحمدُ والمزنيُّ المكثَ فيه ، وضعف أحمدُ الحديث – أي حديث جسرة بنت دجاجه – لأنه راويه أفلتَ مجهولٌ ، وتأوّل الآيةَ على أن (عابري سبيل) هم المسافرون تصيبُهُم الجنابةُ فيتيمَّمون ويصلُّون ، وقد روي ذلك عن ابن عباسٍ).
وهو القولُ الراجح ما شاء الله تعالى ، للأدَّلةِ التالية :
1- إنّ الأصل في الأحكام الإباحةُ ولم يأتِ نصٌ صحيحٌ أو صريحٌ ينقل هذا إلى التحريم ، والآية ) ... ولا جنباً إلا عابري سبيل ( أي لا تقربوا الصلاة في حالةِ الجنابةِ إلا للمسافر الذي عدم الماء وهو جنب ، يتيمم ويصلِّي  ويأتي تفصيلُ ذلك .
وحديثُ جسرة بنتِ دجاجة ، ضعيفٌ ، قال عنه ابنُ حجر في التلخيص (51) ( إنه لم يقُله أحدٌ  من أئمة الحديث ) .

2- إنه قد ثبت في السنّةِ أنَّ أهل الصفَّةِ كانوا يبيتُون في المسجد النبوي وهم شبابٌ عُزّابٌ يحتلمون فيُجنبوا من غير شك ، ومع ذلك لم يُخرجْهم رسول الله صلي الله عليه وسلممن المسجد ، وهذا يدل على اباحة مكث الجنب في المسجد .

3- قد ثبت في صحيح البخاري – ( فتح 2/80)أن جاريةً سوداء كانَ لها خباءٌ في المسجد النبوي تقيمُ فيه ، وكانت تحيضُ ، فلم ينهها النبيُّ عن النوم والمكثِ في المسجد .

4- كذلك : عدمُ نهي النبيُّ صلي الله عليه وسلم عائشةَ حين حاضت عن دخول المسجد الحرام ، بل قال لها " افعلي كلَّ ما يفعله الحاجَّ غيرَ أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلِّي " متفق عليه .

5- كذلك : قولُه صلي الله عليه وسلم لعائشة" ناوليني الخمرةَ من المسجد ، فقالت : إني حائضٌ فقال لها رسول الله صلي الله عليه وسلم (إنّ حيَضَتَك ليست في يدكِ) " رواه مسلم والأربعة ، فيجوزُ للحائض دخول المسجد والمكث فيه .

6- إقامةُ المشركين في المسجد النبوي بإقرارٍ من النبيِّ صلي الله عليه وسلم وأمره منهُم ثمامةُ بنُ آثال كما في صحيح البخاري (فتح 2/102) وكذلك حديثُ نصارى نجران وغيرهم ، فإذا جاز للمشرك المكثُ في المسجد ، فالمسلمُ الجنُب يجوزُ له من باب أولى .

7- قولُه صلي الله عليه وسلم لأبي هريرة وقد كان جنبُاً " إنّ المؤمن لا ينجُس " رواه مسلم شرح النووي (4/66) ، ففي الحديث دلالةٌ ظاهرةٌ على أن المؤمنَ طاهرٌ لا ينجسُ في كل أحواله ولو كانَ جنباً ، وما دام طاهراً فإنه لا شيء يمنعُ من دخوله المسجد وإقامتِه فيه .

8- روى ابنُ أبي شيبةَ بإسناد جيّد (1/46 و172) عن زيد بن أسلم أنه قال : (كانَ الرجلُ منهم – أي من الصحابةِ – يجُنبُ ثم يدخلُ المسجد فيُحدّثُ فيه) ، فهذا الخبرُ يدلّ على أن الصحابةَ كانوا يدخلون المسجد وهم مجنبُون ، فلو كانَ دخولهُم للمسجد غير جائز فهل يفعلوه ‍‍‍‍!!!

9- لقد ثبت في صحيح مسلم(2/926)(أن النبيَّ صلي الله عليه وسلم طاف حول الكعبةِ في المسجد الحرام على ناقته) ورواه أحمد وأبو داود من حديث جابر في الحج فإذا دخلت الناقةُ العجماءُ المسجد الحرام ، فلأن يسُمح للمسلم الجنب والمسلمةِ الحائض وهما من أكرم خلقِ الله من بابِ أولى .
وكذلك يقول ابنُ عمر (كانت الكلابُ تبولُ وتقبلُ وتدبُر في المسجد في زمان رسول الله صلي الله عليه وسلم فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك) رواه البخاري – (فتح 1/289) وأحمد وأبو داود فإذا سُمح للكلابِ دخول المسجد النبوي ، فلا شكَّ أن الجنُبَ والحائضَ والنفساءَ أولى بذلك .

10- بالإضافة لما سبق من الأدلّةِ النقلية ، هناك دليلٌ نظريٌ عقليُّ وهو :
إنّ دخولَ الجنُب والحائضِ للمسجد فيه فوائدُ جمَّةٌ ومنافعَ كثيرة، أهمُّها حضورُ مجالس العلم والذكر  والفقه ، وهذا مصداقُ قوله صلي الله عليه وسلم" لا تمنعُوا النساءَ حظوظهَنَّ من المساجدِ إذا استأذنّكُم " رواه مسلمٌ عن عمر فإذا منُعت في حالة الحيض والنفاس حُرمنَ من تلك المنافع الكثيرةِ .
والخلاصةُ أن القول الراجح في هذه المسألة هو إباحةُ المكث في المسجد للجنب والحائض والنفساء مطلقاً قيدٍ أو شرطٍ .
أما أسباب الخلافِ بين المانعين على اختلاف آرائهم وبين المبيحين مطلقاً هى:
السببُ الأولُ  :  اختلافُهم في تفسير قوله تعالى )يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتمُ سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا جنُباً إلاّ عابري سبيل حتى تغتسلوا( النساء (43) 0

قال ابنُ رشد في بداية المجتهد (1/46): (وسببُ  اختلافِ الشافعي وأهل الظاهر هو تردّدُ الآية بين أن يكون فيها مجازٌ حتى يكون هنالك محذوفٌ مقدّرٌ وهو موضع الصلاة أي لا تقربوا موضع الصلاةِ ، وبين أن لا يكون هنالك محذوفٌ أصلاً، وتكون الآيةُ على حقيقتها ويكون عابرُ السبيل هو المسافرُ الذي عدم الماءَ وهو جنبُ ...) أ .هـ  قلتُ : بل أن شيخ الإسلام ابن تيمية ذهب إلى أن النهيَ في الآيةِ عن قربان الصلاةِ وقربانِ مواضعها أيضاً – الفتاوى الكبرى (1/126) تقديم مخلوف .
وقد وردت هذه التفاسير عن السلف كما رواها ابنُ أبي شيبة وابن جرير الطبري .

قلتُ : والراجحُ هو أن الآيةَ تحملُ على حقيقتها أي لا تقربوا الصلاةَ في حالة الجنابةِ إلا عابر السبيل أي المسافر  الذي فقد الماء يجوزُ له أن يتيمَّم ويصلِّى بدون اغتسال ، والذي يدَّل على ترجيح هذا التفسير هو معرفةُ سبب نزول الآيةِ : فقد قال عليّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه (أنزلت هذه الآية في المسافر (ولا جنُباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) قالوا : إذا أجنب فلم يجد الماءَ تيمَّم وصلى حتى يدرك الماء ، فإذا أدرك الماء اغتسل) رواه البيهقيُّ (1/216) وابنُ جرير الطبري في تفسيره (5/62) من طريقين .
قال الشيخ الألباني في الارواء تحت حديث (193) : (وهذا سندٌ صحيح ٌ ، ورواه الفريابي وابنُ أبي شيبة في المصنَّف ، وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم كما في الدر المنثُور (2/165) ... ) أ هـ

قلت : وقد ذهب إلى هذا التفسير من السلف أحمد بن حنبل كما ذكره البغويُ في شرح السنّةِ (2/46) .
وكذلك ابنُ عباس في نفس كلام البغوي ، وكذلك أصحابُ أبي حنيفة كما حكاه عنهم الإمام النووي في المجموع (2/175) ، وكذلك ابنُ حزم وابنُ الهمام الحنفي والمزني الشافعي .

السبُب الثاني : اختلافُهم في الاحتجاج بحديث جسرةَ بنتِ دجاجة ، عن عائشة قالت : جاء رسولُ الله صلي الله عليه وسلم ، ووجوهُ بيوتِ أصحابِه شارعةٌ في المسجد ، فقال : وجّهُوا هذه البيوت عن المسجد ، ثم دخل النبيُ صلي الله عليه وسلم ، ولم يصنع القومُ شيئاً رجاء أن تنزل فيهم رخصة ، فخرج إليهم بعدُ فقال " وجّهُوا هذه البيوتِ عن المسجد ، فإني لا أُحلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا لجنب " رواه أبو داود – ضعيف سنن أبي داود (40) .
وجاء الحديث من طريق جسرة بنت دجاجة عن أم سلمة قالت : دخل رسول الله صلي الله عليه وسلم صرحةَ هذا المسجد فنادى أعلى صوتِه (إنّ المسجد لا يحلُّ لجنب ولا لحائض) رواه ابن ماجة والطبراني ، قلتُ : والراجحُ هو أن الحديث ضعيفٌ فيه مجاهيلُ وضعفاءُ ، فإلى تفصيل وبيان ذلك

فالسند الأول : عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة قالت ... الحديث : قال البخاري ُ (عند جسر ة عجائبُ ، وقد خالفها غيرُها في سدِّ الأبواب ..) ذكره النووي (2/174) .
وقال الخطابيُّ (وضعفوا هذا الحديثِ وقالوا : أفلتُ راويه مجهولٌ لا يصحُّ الاحتجاجُ بحديثه) المرجع السابق .
وقال ابنُ عبد البرِّ (هو حديثٌ غيرُ ثابت عن أهل الحديث) في بداية المجتهد (1/47) .
وقال ابنُ حجر في التلخيص الحبير (51) : (إنه لم يقُلْه أحدٌ من أئمةِ الحديث) .
وقال البيهقيُّ (ليس بالقوي) ،  وقال ابنُ حزم ( وهذا كلُّه باطلٌ ) المحلَّى (2/184 –187 ) .

وأما السندُ الثاني : عن جسرة بنت دجاجة عن أم سلمة قالت ... الحديث :  فضعفه الحافظ البوصيري في مصباح الزجاجة (43/2) وهو مخطوط قال (اسناده ضعيفٌ ، محدوجٌ لم يوثّق ، وأبو الخطاب مجهولٌ) .
قال الشيخ الألباني عن الحديثين :(وسوقُ الحديثِ على هذه الصورة يوهمُ أنهما حديثان بإسنادين متغايرين ، أحدهما عن عائشة والآخرُ عن أم سلمة ، وليس كذلك ، بل هما حديثٌ واحدٌ بإسناد واحد مداره على جسرة بنت دجاجه ، اضطربت في روايتهِ ، والاضطرابُ ممّا يوهنُ به الحديث ، ... يضافُ إلى ذلك أن جسرةَ بنت دجاجة هذه لم يوثقها من يعتمدُ على توثيقه ، ولذلك ضعِّف جماعةٌ هذا الحديث ... ، وللحديثِ شاهدان لا ينهضان لتقويته ودعمِه لأن في أحدهما متروكاً وفي الآخر كذاباً ، وقد خرّجتُهما وفصلتُ القولَ فيهما في ضعفِ سنن أبي داود (32) ... ) تمام المنٌة صـ118 .
وفي ختام هذا البحث وبعد عرض الأقوال الأربعة في المسألة وأدلّة كلِّ قولٍ منها ، وأوجه الاستدلال بها ، وترجيح القول الرابع وهو جواز مكث الجنب والحائض في المسجد ، وذكر الأدلّة العشرةِ على ذلك ، وبعد بيان سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة ، وترجيح معني الآية بذكرِ سبب نزولها عن عليٍّ ، والمعلوم أن قول الصحابي حجَّة إذا كانَ في بيان سبب نزول آية ، ولضعف أدلّة القائلين بالمنع كما تقدّم معنا .


أقول هذا ما ترجَّح لي ما شاء الله ، دون تعصب لأحدٍ ، فإن أصبتُ فمن الله وإن أخطأتُ فمن نفسي والشيطان ، وأستغفر الله من ذلك .