الأربعاء، 2 سبتمبر 2015

حكمُ دخول الجنبُ والحائضِ والنفساءِ المسجدَ

فهذا بحثٌ مختصرٌ لمسألةِ دخولِ الجنُبِ والحائضِ والنفساءِ المسجدَ ، اعرضُ فيه أقوالَ أهل العلم وسبَبَ إختلافهم وأدلَّتَهم مع الترجيح دون تعصبٍ لأحد .
* ذكر العلامةُ ابنُ رشد رحمه الله في بداية المجتهد (1/46) هذه المسألة
فقال ( قومٌ منعوا ذلك بإطلاق وهو مذهبُ مالك وأصحابِه ، وقومٌ منعُوا ذلك إلا لعابرٍ فيه لا مقيم ، ومنهم الشافعيّ ، وقومٌ أباحُوا ذلك للجميع ومنهم داودُ وأصحابُه ... ) أ.هـ نقل ابنُ كثير في تفسيره (1/502) قولاً رابعاً وهو (متى توضأ الجنُبُ جاز له المكثُ في المسجد) وذكره عن الإمام أحمد ، أ . هـ
وكذلك ذكره الشوكاني في نيل الأوطار(1/251) عن اسحق بن راهوية وابن قدامه .

* إذاً في هذه المسألةِ أربعةُ أقوال على النحو التالي:
(1) تحريمُ المكثِ في المسجد جالساً أو قائماً أو متردداً على أي حالٍ كان متوضئاً أو غيره ويجوزُ له العبور من غيرِ لُبثٍ كانَ له حاجةً أم لا : وهذا مذهبُ الشافعيةِ ، نقله النوويُّ في المجموع (2/173) واحتجُّوا بقوله تعالى )يا أيها الذين آمنُوا لا تقربوا الصلاةَ وأنتمُ سكارى حتى تعلمُوا ما تقولون ، ولا جُنُبناً إلاّ عابري سبيلٍ حتى تغتسلوا) النساء (43) قالوا : معناها : لا تقربوا موضع الصلاة وأنتمُ جنباً إلا عابري سبيل يعني إلا مجتازين فيه للخروج منه واحتجُّوا أيضاً بحديث جسرةَ بنتِ دجاجة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم" وجِّهُوا هذه البيوتِ عن المسجدِ فإنِّي لا أُحلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا لجنُب ) رواه أبو داود .

(2) كالقولِ الأول إلا أنَّهم يُبيحُون العبورَ للحاجة فقط ، مِنْ أخذِ شيءً أو تركه أو كونِ الطريقِ منه ، فأما لغيرِ حاجةٍ فلا يجوزُ بحالٍ إلاّ إذا توضأ الجنبُ فله اللبثُ في المسجد .
وهذا مذهب الحنابلةِ كما ذكره ابنُ قدامة في المغني (1/200) وهو قول اسحق بن راهوية وشيخ الإسلام(313)
واحتجُّوا بالآيةِ السابقةِ وحديثِ جسرة بنتِ دجاجة ، وحديثِ عائشة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال لها (ناوليني الخُمرةَ من المسجدِ ، فقالت أني حائضٌ ، قال : إنّ حيضَتَكِ ليست في يدِك) مسلم والأربعة وكذلك حديث عطاء بن يسارٍ قال (رأيتُ رجالاً من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوءَ الصلاة) رواه سعيد بن منصور والبخاري في التاريخ الكبير بإسناد حسن ونقله الشوكانيُّ في نيل الأوطار (1/251) .
(3) القول الثالث : تحريمُ المكثِ والعبورِ بأي حالٍ وبأي شكلٍ مطلقاً :
وهو مذهب الحنفية (فتح القدير 1/114) ومذهب المالكية (المدونة1/32) وذكرهما ابنُ حزم (2/185) واحتجُّوا بحديث جسرةَ بنتِ دجاجة وكذلك الآية السابقة ، وحديث أبي سعيد الخدري قال : قال النبيُّ صلي الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب " يا عليٍّ لا يحلُّ لأحدٍ يُجنبُ في هذا المسجد غيري وغيرك " رواه الترمذي بإسنادٍ ضعيفٍ ، فيه عطيةُ العوفي لا يحتجُّ به ، قال الترمذي : استغربه البخاريُّ .

(4) القولُ الرابعُ : إباحةُ المكثِ في المسجد للجنب والحائضِ والنفساءِ ، مطلقاً دون قيدٍ ولا شرط : وهو مذهبُ الظاهرية داود وابن حزم (2/184) ، وذهب إليه ابنُ المنذر وأحمد والمزني من الشافعية كما في المجموع للنووي (1/173) ، وذكره الخطابي في معالم السنن أنه قول أحمد بن حنبل والظاهرية ، ورجحه الألباني في تمام المنّةصـ119 وقال البغويُّ في شرح السنّةِ (2/46) (وجوّز أحمدُ والمزنيُّ المكثَ فيه ، وضعف أحمدُ الحديث – أي حديث جسرة بنت دجاجه – لأنه راويه أفلتَ مجهولٌ ، وتأوّل الآيةَ على أن (عابري سبيل) هم المسافرون تصيبُهُم الجنابةُ فيتيمَّمون ويصلُّون ، وقد روي ذلك عن ابن عباسٍ).
وهو القولُ الراجح ما شاء الله تعالى ، للأدَّلةِ التالية :
1- إنّ الأصل في الأحكام الإباحةُ ولم يأتِ نصٌ صحيحٌ أو صريحٌ ينقل هذا إلى التحريم ، والآية ) ... ولا جنباً إلا عابري سبيل ( أي لا تقربوا الصلاة في حالةِ الجنابةِ إلا للمسافر الذي عدم الماء وهو جنب ، يتيمم ويصلِّي  ويأتي تفصيلُ ذلك .
وحديثُ جسرة بنتِ دجاجة ، ضعيفٌ ، قال عنه ابنُ حجر في التلخيص (51) ( إنه لم يقُله أحدٌ  من أئمة الحديث ) .

2- إنه قد ثبت في السنّةِ أنَّ أهل الصفَّةِ كانوا يبيتُون في المسجد النبوي وهم شبابٌ عُزّابٌ يحتلمون فيُجنبوا من غير شك ، ومع ذلك لم يُخرجْهم رسول الله صلي الله عليه وسلممن المسجد ، وهذا يدل على اباحة مكث الجنب في المسجد .

3- قد ثبت في صحيح البخاري – ( فتح 2/80)أن جاريةً سوداء كانَ لها خباءٌ في المسجد النبوي تقيمُ فيه ، وكانت تحيضُ ، فلم ينهها النبيُّ عن النوم والمكثِ في المسجد .

4- كذلك : عدمُ نهي النبيُّ صلي الله عليه وسلم عائشةَ حين حاضت عن دخول المسجد الحرام ، بل قال لها " افعلي كلَّ ما يفعله الحاجَّ غيرَ أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلِّي " متفق عليه .

5- كذلك : قولُه صلي الله عليه وسلم لعائشة" ناوليني الخمرةَ من المسجد ، فقالت : إني حائضٌ فقال لها رسول الله صلي الله عليه وسلم (إنّ حيَضَتَك ليست في يدكِ) " رواه مسلم والأربعة ، فيجوزُ للحائض دخول المسجد والمكث فيه .

6- إقامةُ المشركين في المسجد النبوي بإقرارٍ من النبيِّ صلي الله عليه وسلم وأمره منهُم ثمامةُ بنُ آثال كما في صحيح البخاري (فتح 2/102) وكذلك حديثُ نصارى نجران وغيرهم ، فإذا جاز للمشرك المكثُ في المسجد ، فالمسلمُ الجنُب يجوزُ له من باب أولى .

7- قولُه صلي الله عليه وسلم لأبي هريرة وقد كان جنبُاً " إنّ المؤمن لا ينجُس " رواه مسلم شرح النووي (4/66) ، ففي الحديث دلالةٌ ظاهرةٌ على أن المؤمنَ طاهرٌ لا ينجسُ في كل أحواله ولو كانَ جنباً ، وما دام طاهراً فإنه لا شيء يمنعُ من دخوله المسجد وإقامتِه فيه .

8- روى ابنُ أبي شيبةَ بإسناد جيّد (1/46 و172) عن زيد بن أسلم أنه قال : (كانَ الرجلُ منهم – أي من الصحابةِ – يجُنبُ ثم يدخلُ المسجد فيُحدّثُ فيه) ، فهذا الخبرُ يدلّ على أن الصحابةَ كانوا يدخلون المسجد وهم مجنبُون ، فلو كانَ دخولهُم للمسجد غير جائز فهل يفعلوه ‍‍‍‍!!!

9- لقد ثبت في صحيح مسلم(2/926)(أن النبيَّ صلي الله عليه وسلم طاف حول الكعبةِ في المسجد الحرام على ناقته) ورواه أحمد وأبو داود من حديث جابر في الحج فإذا دخلت الناقةُ العجماءُ المسجد الحرام ، فلأن يسُمح للمسلم الجنب والمسلمةِ الحائض وهما من أكرم خلقِ الله من بابِ أولى .
وكذلك يقول ابنُ عمر (كانت الكلابُ تبولُ وتقبلُ وتدبُر في المسجد في زمان رسول الله صلي الله عليه وسلم فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك) رواه البخاري – (فتح 1/289) وأحمد وأبو داود فإذا سُمح للكلابِ دخول المسجد النبوي ، فلا شكَّ أن الجنُبَ والحائضَ والنفساءَ أولى بذلك .

10- بالإضافة لما سبق من الأدلّةِ النقلية ، هناك دليلٌ نظريٌ عقليُّ وهو :
إنّ دخولَ الجنُب والحائضِ للمسجد فيه فوائدُ جمَّةٌ ومنافعَ كثيرة، أهمُّها حضورُ مجالس العلم والذكر  والفقه ، وهذا مصداقُ قوله صلي الله عليه وسلم" لا تمنعُوا النساءَ حظوظهَنَّ من المساجدِ إذا استأذنّكُم " رواه مسلمٌ عن عمر فإذا منُعت في حالة الحيض والنفاس حُرمنَ من تلك المنافع الكثيرةِ .
والخلاصةُ أن القول الراجح في هذه المسألة هو إباحةُ المكث في المسجد للجنب والحائض والنفساء مطلقاً قيدٍ أو شرطٍ .
أما أسباب الخلافِ بين المانعين على اختلاف آرائهم وبين المبيحين مطلقاً هى:
السببُ الأولُ  :  اختلافُهم في تفسير قوله تعالى )يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتمُ سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا جنُباً إلاّ عابري سبيل حتى تغتسلوا( النساء (43) 0

قال ابنُ رشد في بداية المجتهد (1/46): (وسببُ  اختلافِ الشافعي وأهل الظاهر هو تردّدُ الآية بين أن يكون فيها مجازٌ حتى يكون هنالك محذوفٌ مقدّرٌ وهو موضع الصلاة أي لا تقربوا موضع الصلاةِ ، وبين أن لا يكون هنالك محذوفٌ أصلاً، وتكون الآيةُ على حقيقتها ويكون عابرُ السبيل هو المسافرُ الذي عدم الماءَ وهو جنبُ ...) أ .هـ  قلتُ : بل أن شيخ الإسلام ابن تيمية ذهب إلى أن النهيَ في الآيةِ عن قربان الصلاةِ وقربانِ مواضعها أيضاً – الفتاوى الكبرى (1/126) تقديم مخلوف .
وقد وردت هذه التفاسير عن السلف كما رواها ابنُ أبي شيبة وابن جرير الطبري .

قلتُ : والراجحُ هو أن الآيةَ تحملُ على حقيقتها أي لا تقربوا الصلاةَ في حالة الجنابةِ إلا عابر السبيل أي المسافر  الذي فقد الماء يجوزُ له أن يتيمَّم ويصلِّى بدون اغتسال ، والذي يدَّل على ترجيح هذا التفسير هو معرفةُ سبب نزول الآيةِ : فقد قال عليّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه (أنزلت هذه الآية في المسافر (ولا جنُباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) قالوا : إذا أجنب فلم يجد الماءَ تيمَّم وصلى حتى يدرك الماء ، فإذا أدرك الماء اغتسل) رواه البيهقيُّ (1/216) وابنُ جرير الطبري في تفسيره (5/62) من طريقين .
قال الشيخ الألباني في الارواء تحت حديث (193) : (وهذا سندٌ صحيح ٌ ، ورواه الفريابي وابنُ أبي شيبة في المصنَّف ، وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم كما في الدر المنثُور (2/165) ... ) أ هـ

قلت : وقد ذهب إلى هذا التفسير من السلف أحمد بن حنبل كما ذكره البغويُ في شرح السنّةِ (2/46) .
وكذلك ابنُ عباس في نفس كلام البغوي ، وكذلك أصحابُ أبي حنيفة كما حكاه عنهم الإمام النووي في المجموع (2/175) ، وكذلك ابنُ حزم وابنُ الهمام الحنفي والمزني الشافعي .

السبُب الثاني : اختلافُهم في الاحتجاج بحديث جسرةَ بنتِ دجاجة ، عن عائشة قالت : جاء رسولُ الله صلي الله عليه وسلم ، ووجوهُ بيوتِ أصحابِه شارعةٌ في المسجد ، فقال : وجّهُوا هذه البيوت عن المسجد ، ثم دخل النبيُ صلي الله عليه وسلم ، ولم يصنع القومُ شيئاً رجاء أن تنزل فيهم رخصة ، فخرج إليهم بعدُ فقال " وجّهُوا هذه البيوتِ عن المسجد ، فإني لا أُحلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا لجنب " رواه أبو داود – ضعيف سنن أبي داود (40) .
وجاء الحديث من طريق جسرة بنت دجاجة عن أم سلمة قالت : دخل رسول الله صلي الله عليه وسلم صرحةَ هذا المسجد فنادى أعلى صوتِه (إنّ المسجد لا يحلُّ لجنب ولا لحائض) رواه ابن ماجة والطبراني ، قلتُ : والراجحُ هو أن الحديث ضعيفٌ فيه مجاهيلُ وضعفاءُ ، فإلى تفصيل وبيان ذلك

فالسند الأول : عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة قالت ... الحديث : قال البخاري ُ (عند جسر ة عجائبُ ، وقد خالفها غيرُها في سدِّ الأبواب ..) ذكره النووي (2/174) .
وقال الخطابيُّ (وضعفوا هذا الحديثِ وقالوا : أفلتُ راويه مجهولٌ لا يصحُّ الاحتجاجُ بحديثه) المرجع السابق .
وقال ابنُ عبد البرِّ (هو حديثٌ غيرُ ثابت عن أهل الحديث) في بداية المجتهد (1/47) .
وقال ابنُ حجر في التلخيص الحبير (51) : (إنه لم يقُلْه أحدٌ من أئمةِ الحديث) .
وقال البيهقيُّ (ليس بالقوي) ،  وقال ابنُ حزم ( وهذا كلُّه باطلٌ ) المحلَّى (2/184 –187 ) .

وأما السندُ الثاني : عن جسرة بنت دجاجة عن أم سلمة قالت ... الحديث :  فضعفه الحافظ البوصيري في مصباح الزجاجة (43/2) وهو مخطوط قال (اسناده ضعيفٌ ، محدوجٌ لم يوثّق ، وأبو الخطاب مجهولٌ) .
قال الشيخ الألباني عن الحديثين :(وسوقُ الحديثِ على هذه الصورة يوهمُ أنهما حديثان بإسنادين متغايرين ، أحدهما عن عائشة والآخرُ عن أم سلمة ، وليس كذلك ، بل هما حديثٌ واحدٌ بإسناد واحد مداره على جسرة بنت دجاجه ، اضطربت في روايتهِ ، والاضطرابُ ممّا يوهنُ به الحديث ، ... يضافُ إلى ذلك أن جسرةَ بنت دجاجة هذه لم يوثقها من يعتمدُ على توثيقه ، ولذلك ضعِّف جماعةٌ هذا الحديث ... ، وللحديثِ شاهدان لا ينهضان لتقويته ودعمِه لأن في أحدهما متروكاً وفي الآخر كذاباً ، وقد خرّجتُهما وفصلتُ القولَ فيهما في ضعفِ سنن أبي داود (32) ... ) تمام المنٌة صـ118 .
وفي ختام هذا البحث وبعد عرض الأقوال الأربعة في المسألة وأدلّة كلِّ قولٍ منها ، وأوجه الاستدلال بها ، وترجيح القول الرابع وهو جواز مكث الجنب والحائض في المسجد ، وذكر الأدلّة العشرةِ على ذلك ، وبعد بيان سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة ، وترجيح معني الآية بذكرِ سبب نزولها عن عليٍّ ، والمعلوم أن قول الصحابي حجَّة إذا كانَ في بيان سبب نزول آية ، ولضعف أدلّة القائلين بالمنع كما تقدّم معنا .


أقول هذا ما ترجَّح لي ما شاء الله ، دون تعصب لأحدٍ ، فإن أصبتُ فمن الله وإن أخطأتُ فمن نفسي والشيطان ، وأستغفر الله من ذلك .

السبت، 23 مايو 2015

مخالفات في الطهارة


الحمد لله رب العالمين والصلاةُ والسلامُ علي خاتم النبيين ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله  وبعد،،

فهـذه تنبيهات على مخالفات للشريعة في أبواب الطهارة ، تساهل كثيرٌ من المسلمين فيها لتهاونهم وجهلهم بحكمها ، والناس في هذه المخالفات صنفان : صنف يعلم بأن الشرع نهى عنها ولكن يقعُ فيها ويتساهل بها ، وصنف جاهل بهذه المخالفات ، ولو علمها لا يقع فيها .

 
 

وهذه بعض المخالفات في أبواب الطهارة :
الاستنجاءُ من الريح : فتجد الناس يصطفون على الحمّامات لهذا السبب . وهذه مخالفةٌ لأن الأدلة الشرعية لم تَرد بذلك ، وإنما وردت بأن خروج الريح حدثٌ يوجب الوضوء . قال الإمام أحمد ( ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا في سنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم)
التلفظ بالنيةِ عند الوضوء والغسل والمسح وغيرها : وهذا مخالفٌ لسنةِ النبي صلي الله عليه وسلم لأنه لم يتلفظ بها قال شيخ الإسلام ابن تيمية (1/214) ( التلفظ بالنيةِ نقصٌ في العقل والدين : أما في الدين فلأنه بدعة ، وأما في العقل فلأنّه بمنزلة من يريد أن يأكل طعاماً فيقول نويت بوضع يدي في هذا الإناء ، إني أريد أن آخذ منه لقمةً فأضعها في فمي فأمضغها ثم أبلعها لأشبع . فهذا حمقٌ وجهل )

المضمضةُ والاستنشاقُ بستِّ غرفات والفصل بينهما : قال النووي رحمه الله:( أن يكونا بثلاث غرفات، يتمضمض من كل غرفة ويستنشق . وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة ، أما فصلهما بست غرفات فلم يصح فيه شيْ ) الفتاوى ترتيب العطار صـ20 . قلت: في الصحيحين عن عبد الله بن يزيد أنه قال في صفة الوضوء : ثم أدخل يده، فمضمض واستنشق من كفٍ واحدٍ ، يفعل ذلك ثلاثاً ) خ(186) م(235)

الإسراف في الماء أثناء الوضوء والغسل : ومن ذلك الزيادة إلى ثلاث غسلات . قال البخاري رحمه الله (1/280) فتح ( وكره أهلُ العلم الإسراف فيه ، وأن يجاوزوا فعل النبي صلي الله عليه وسلم) . وعن عبد الله بن مغفّل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "" إنه سيكون في هذه الأمة قومٌ يعتدون في الطهور والدعاء "" أحمد وأبو داود ـ صحيح الجامع الصغير (2396) والاعتداءُ في الطُهور يكون بالزيادة على الثلاث وإسراف الماء وبالمبالغة في الغُسل إلى حد الوسواس ، ويفسّره حديث تعليم الأعرابي الوضوء ثلاثاً ثلاثاً ، ثم قال ( هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساءَ وتعدّى ) أحمد وأبو داود والنسائي ـ صحيح الجامع الصغير (7015)

ومن المخالفات : ترك تخليل الأصابع وخاصةً أصابع القدمين عند الوضوء أو الغسل: والنبي صلي الله عليه وسلم قال " أسبغ الوضوءَ وخلِّل بين الأصابع " أحمد وأبوداود والترمذي . قال الصنعاني في سبل السلام : الحديث يدل على وجوب إسباغ الوضوء وهو إتمامه واستكمال الأعضاء . وفي حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره ) وفي لفظ ( فيخلل أصابع رجليه بخُنصره ) أبو داود والترمذي .

ترك مواضع من الجسد لا يصل إليها الماء في أثناء الوضوء أو الغسل : ومن تلك المواضع : ما تحت ساعة اليد أو خاتم الإصبع ، ولذا ينبغي عليه أن يخلعهما أو يحركهما عن مكانهما ليعمَّ الماء جميع العضو فيتم وضوؤه . وهذا من إسباغ الوضوء الذي أُمرنا به . وفي الحديث الصحيح ( ويلٌ للأعقاب من النار ) متفق عليه . وفي الحديث الصحيح أيضاً ( أن النبي رأى رجلاً وفي قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء فقال: " إرجع فأحسن وضوءك " أبو داود

ترك قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة أكثر من أربعين يوماً : فعن أنسٍ قال : وَقَّتَ لنا رسول الله في قصِّ الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك شيئاً من ذلك أكثر  من أربعين ليلة ) رواه أحمد ومسلم والأربعة .

عدم الوضوء من ماء زمزم والتحرج من ذلك، وفعل التيمم بدل الوضوء منه: والله عز وجل قال)  فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً( ومن الماء ماءُ زمزم وروى عليُ رضي الله عنه( أن رسول الله دعا بسَجْل من ماءِ زمزم فشرب منه وتوضأ) أحمد وصححه أحمد شاكر(2/19). قال النووي (لا تُكره الطهارةُ بماء زمزم عندنا، وبه قال العلماء كافةً إلا أحمد في روايةٍ ودليلنا أنه لم يثبت نهيٌ ) فتاوى النووي للعطار رقم (12)

تحامل الإنسان على نفسه ومجاهدتها لآداء الصلاة وهو حاقن لبولٍ أو غائط : ولم يعلم أنه بفعله ذاك قد ضيّق على نفسه وارتكب محظوراً لقوله صلي الله عليه وسلم"لا صلاةَ بحضرةِ طعامٍ ولا وهو يدافعه الأخبثان " مسلم(560) قال ابن تيمية( ان هذه الصلاة مع الاحتقان مكروهة منهيٌّ عنها وفي صحتها روايتان ) الفتاوى ( 21/473)

عدم المحافظة على أذكار دخول الخلاء والخروج منه وذكر كشف العورة : ومن الأذكار قول ( أعوذ بالله من الخبث والخبائث ) متفق عليه ، وقول ( بسم الله ) عند كشف العورة لحديث ( ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنيف أن يقولوا بسم الله ) ارواء الغليل (1/88) ، وقول ( غفرانك ) لحديث عائشة ( كان إذا خرج من الخلاء قال ( غفرانك ) أحمد والترمذي وأبو داود .

ومن المخالفات في الطهارة : عـدم التنزه من البول وعدم الاحتراز من رذاذه ، وكذلك المبالغة في التنزه من البول والخروج عن الحدِّ المشروع :

*  أما عدم التنزه من البول أي عدم الابتعاد والاستتار من رذاذه ، فهو من أسباب عذاب القبر لحديث  اللذين يعذبان في قبورهما كما في الصحيحين . وحديث ( عامّة عذاب القبر من البول ) صحيح الجامع

*  أما المبالغة في التنزه من البول فكما قال الشيخ محمد بن عبد السلام في السنن والمبتدعات للقشيري صـ25

( ومن بدع أهل الوسواس ومن كيد الشيطان ما يصنعه المبتلون من السلتِ ونتر الذكر والنحنحة والقفز ومسك الحبل وطلوع الدرجة وحشو القطن في فتحة الإحليل وصب الماء فيه وتفقده الفينة بعد الفينة ) قلت : والمشي أربعين خطوة أو أكثر أو أقل ، فكل ذلك يؤدي إلى إجهاد النفس وإحراجها وهذا تنطُّع وتكلف مذموم .

اعتقاد بعض الناس أن من توضأ ثم أصاب بدنه أو ملابسه نجاسة أن ذلك ينقض الوضوء : وهذا خطأ فلا علاقة للوضوء برفع النجاسة وإنما يجب غسلها مباشرة فقط .

ومن ذلك أيضاً: اعتقاد بعض الناس أن الدم الخارج من الجسم ناقض للوضوء: وهذا خطأ، فلا ينقض الوضوء إلا دم الحيض ودم النفاس فقط ، أما الدم الخارج من جرح أو أنفٍ أو سنٍّ فلا ينقض الوضوء .

اعتقاد بعض الناس أن مسّ المرأة ينقض الوضوء : والنبي صلي الله عليه وسلم قبَّل بعض نسائه ولم يتوضأ ـ أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه . إلا إذا كان المس بشهوة ونزل المذي فإنه ينقض الوضوء .

استمرار المحدث في صلاته وعدم قطعها إما خجلاً أو لكي لا يضطر إلى تخطي الصفوف الخلفية وإرباكها : وفي هذه الحالة يجب على من أحدث وهو في الصلاة أو تذكر أنه على غير طهارة أن يقطع صلاته ويذهب ليتوضأ ويعود ويصلي ما يدرك من صلاة الجماعة ، وإذا لم يستطع الخروج كأن يكون مقعداً أو كبيراً في السن ونحو ذلك ، جلس ولم يتابع الإمام حتى تنتهي الصلاة ـ هذه إجابة ابن باز في الفتاوى 2/91 كتاب الدعوة .

الصلاة في الحدائق العامة والتي تُسقى بمياة لها رائحةُ النجاسة : وجمهور العلماء يرون بطلان الصلاة من نجاسة المكان .فإذا خالطت النجاسة الماء وغيرَّت لونه أو طعمه أو رائحته فهو نجس .

الدعاء عند غسل أعضاء الوضوء كقول بعضهم عند غسل يده اليمنى : اللهم اعطني كتابي بيميني ، وعند غسل وجهه : اللهم بيّض وجهي يوم تبيض وجوه قال ابن القيم :( لم يُحفظ عنه صلي الله عليه وسلم أنه كان يقول على وضوئه شيئاً غير التسمية ، وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه مكذوب مختلق ، لم يقلْ رسول الله شيئاً منه ولا ثبت عنه غيرُ التسمية في أوله وقوله " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين في آخره "  فهذا ثابت)

الاعتقاد بأن مجرّد الاستحمام يكفي عن الوضوء : والصحيح أن الاستحمام لا يكفي عن الوضوء إلا في غسل الجنابة فقط ، لأن الله لم يوجب عند الجنابة سوى أن نتطهّر أي نعمّ جميع البدن بالماء غسلاً فقال تعالى ( وإن كنتم جنباً فاطّهروا ) أما إذا كان الاستحمام لتنظيفٍ أو لتبرد فإنه لا يكفي عن الوضوء .

تساهل بعض النساء بتأخير الغسل من الجماع أو الحيض إذا طهرت من الليل حتى تطلع الشمس :

 وهذا لا يجوز بالإجماع لأن الصلاة لا يجوز اخراجها عن وقتها عمداً وأن ذلك من الكبائر .

 جهل النساء والرجال بأحكام الحيض والاستحاضة والفرق بينهما : وأن للمستحاضة ثلاث حالات ، وأن أحكام الاستحاضة كأحكام الطهر إلا في وجوب الوضوء لكل صلاة للمستحاضة وأنها تغسل أثر الدم وتُعصّب بخرقةٍ وتصلي ، وأنه يجوز لزوجها أن يقربها ويجامعها .

ومن المخالفات : تحرُّج الجنب والحائض والنفساء من قراءة القرآن ومس المصحف الصحيح من أقوال العلماء أنه يجوزُ لهم ذلك ، وممّن جوّز القراءة للجنب ابن عباس وسعيد بن المسيب وعكرمة وداود وابن المنذر والطبري ومالك وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وابن حزم والشوكاني والألباني ، واستدلوا بحديث عائشة قالت ( كان النبي يذكر الله على كل أحيانه ) رواه مسلم (1/282) . قال ابن حجر في الفتح (1/407) ( إن مراد البخاري ـ الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة ) وجوّز مالك وداود وابن المسيب وابن المنذر للحائض قراءة القرآن . وأما حديث ابن عمر ( لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن ) فقد ضعّفه أحمد بن حنبل والبيهقي وابن أبي حاتم ، وابن القيم قال ( لم يصح فإنه حديثٌ معلول باتفاق أهل العلم بالحديث ) اعلام الموقعين (3/23) وضعفه كذلك ابن حجر في الفتح (1/409) والنووي في المجموع . وأمّا مسُّ المصحف للجميع فقد جوّزه ابن عباس والشعبي وزيد بن علي وداود وابن حزم وسعيد بن جبير وغيرهم ، وأجابوا عن مفهوم حديث ( لا يمس القرآن إلا طاهر ) أن معناه لا يمس القرآن إلا مؤمن ، لحديث ( أن المؤمن لا ينجس )

الوسوسة في الوضوء : بزيادة عدد الغسلات على ثلاث مرّات والتشكك بالوضوء : وهذا من وسوسة الشيطان ، والرسول لم يزد في وضوءه على ثلاث مرّات .

ومن المخالفات : ذكر الله في الخلاء وأثناء قضاء الحاجة : وذلك لا يجوز ( فعن ابن عمر أن رجلاً مرَّ ورسول الله يبول ، فسلم عليه فلم يرد عليه ) رواه مسلم

ترك النفساء الصلاة إذا طهرت قبل الأربعين : فمتى طهرت قبل الأربعين وجب عليها آداء ما فُرض عليها من العبادات وجاز لها ما يجوز للطاهر حتى الجماع .

ومن المخالفات : مسح الرقبة والعنق بعد الوضوء : قال شيخ الإسلام ابن تيمية (1/56) الفتاوى ( لم يصح عن النبي أنه مسح على عنقه في الوضوء بل ولا روي عنه ذلك في حديث صحيح ، ولهذا لم يستحب ذلك جمهور العلماء ، ومن ترك مسح العنق فوضوءه صحيح باتفاق العلماء ، وأما حديث ( من توضأ ومسح عنقه لم يُغل بالأغلال يوم القيامة ) فقد قال عنه النووي في المجموع (1/489) ( هذا موضوع )

ومن المخالفات : استقبال أو استدبار القبلة ببولٍ أو غائط . ففي الحديث الصحيح ( إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولِّها ظهره ) رواه البخاري . قال ابن حزم في المُحلى ( مسألة146) ولا يجوز استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول ، لا في بنيان ولا في صحراء ) ثم ذكر الحديث السابق . وفي الصحيحين قال أبو أيوب راوي الحديث السابق ( فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة ، فننحرف عنها ونستغفر الله )

ترك دعاء دخول الخلاء ودعاء الخروج منه وكذلك ترك البسملة : قال رسول الله:" سترُ ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الخلاء أن يقول بسم الله ) أبو داود وابن ماجه ، وهو في الإرواء رقم (50) . قال أنس ( كان النبي إذا دخل الخلاء قال : اللهم إنيّ أعوذ بك من الخبث والخبائث ) متفق عليه . وقالت عائشة  ( كان النبي إذا خرج من الخلاء قال : غفرانك ) د. ت صحيح سنن أبي داود (244)

هذه بعض المخالفات في الطهارة

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الجمعة، 22 مايو 2015

ما ورد في شهر شعبان


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، و بعد :
 إنّ سلفَ الأمَّةِ رضي الله عنهم كانوا يتحاكمون إلي الكتاب والسنّةِ عند التنازع حتى فشا الجهلُ والهوى في المسلمين ، اخترعوا لهم نحلاً وفرقاً يدافعُ عنها أصحابُ الأهواءِ ويتخذونها ديناً ، وكلَّما بَعُدَ الناس عن كتابِ ربِّهم وسُنّةِ نبيهم فشت فيهم الأهواء والبدع ، ولقد رأيت من واجبي أن أذكر بعضَ ما أحدثه الناسُ في بعضِ الأوقات من الأيام والشهور ، تحذيراً من محدثاتِ الأمور التي حذّر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله "وإيّاكمُ ومحدثات الأمور، فإن كلُّ محدثةٍ بدعة ، وكلّ بدعةٍ ضلالةٍ وكلَّ ضلالةٍ في النّار" رواه أحمد ومسلمٌ وأبو داو ود والترمذي . وقد شاعت في بلاد المسلمين كثيرٌ من المحدثات في الأوقات والأيَّام والشهور ، وتقرّب الناس إلى الله بألوانٍ من العباداتِ التي لا نجدُ لها أصلاُ في الكتاب والسُنّةِ ، بل وأنكرها سلفنا الصالح وأئمتنا وعلماؤنا .

ما ورد في شهر شعبان :

1 ) ما صحَّ في فضل شهر شعبان : وردت  بعضُ الأحاديث في الترغيب في صوم شعبان منها حديث عائشة في الصحيحين قالت (ما رأيتُ رسولَ الله استكمل صيامَ شهرٍ إلاّ رمضان ، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان) وحديث اسامة بن زيد قال : قلتُ : يا رسول الله ‍ لم أرك تصومُ من شهرٍ من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال "ذاك شهرٌ تغفلُ الناسُ فيه عنه ، بين رجب ورمضان ، وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين وأحبُّ أن يرفعَ عملي وأنا صائمٌ" رواه النسائي وهو في صحيح الترغيب (1022) . وحديث أنس عند أحمد (كان أحبُّ الصوم إليه في شعبان) صحيح الترغيب (1023).

*قلتُ :هذه الأحاديثُ وغيرُها يستفاد منها فضلُ صيامِ أيامٍ من شعبان ، فإذا انتصف شعبان فإنّه صحّ عن رسول الله قولُه "إذا انتصف شعبانُ فلا تصوموا" رواه أحمد وهو في صحيح سنن أبي داو ود (2337) ورواه الترمذي بلفظ (إذا بقي نصفٌ من شعبان فلا تصوموا) وهو في صحيح سنن الترمزي (738)  وقد بوّب عليه الترمذي في سننه بقوله (باب ما جاء في كراهيةِ الصوم في النصف الثاني من شعبان لحالِ رمضان 
قلتُ: هذا النهيُ عن الصيام في النصف الثاني من شعبان إنّما يكون لمن لم يتعوّد الصيامَ ، أمّا من كانَ يصوم الاثنين والخميس أو صيامِ داود أو الكفّارات ، فإنّه يجوزُ له الصيام إلى آخر الشهر لقوله صلى الله عليه وسلم "لا يتقدّمن أحدكُم رمضانَ بصوم يومٍ أو يومين ، إلاّ أن يكون رجلٌ كانَ يصوم صومه فليصم ذلك اليوم" والحديث متفق عليه ، وهذا القولُ فيه جمع بين الأحاديث والله أعلم .

2 ) ما لم يصح في فضل شعبان : وردت بعضُ الأحاديث الضعيفة والموضوعة في فضل شعبان منها حديث (شعبانُ شهري) وحديث (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان) وحديث (شعبان لتعظيم رمضان) وهو في ضعيف الترغيب (618) وقد مرَّ تخريجج الحديثين الأول والثاني ، أما الثالث فهو ضعيفٌ لا يصح ، وذكره ابن الجوزى في العلل المتناهية حديث (914).

3 ) ما ورد في ليلة النصف من شعبان : صحَّ حديثٌ واحدٌ في فضل ليلة النصف من شعبان وهو ما رواه الطبراني وابن حبّان في صحيحه من حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يطّعُ اللهُ إلى جميع خلقّه ليلة النصف من شعبان ، فيغفرُ لجميع خلقِهِ إلاّ لمشركٍ أو مشاحن" وهو في الترغيب والترهيب برقم (1026) وقد ذكر الألباني له طرقاً في السلسلة الصحيحة برقم (1144)

قلتُ: ولم يذكر في الحديث فضلُ قيامٍ لتلك الليلةِ ولا فضلُ صيامٍ ليومِ النصف من شعبان ولا تخصيصها بعبادةٍ أو اجتماعٍ أو ذكرٍ ، ولم يكن السلف الصالح لهم عادة بتخصيص يوم النصف وليلتهِ بالعباداتِ ، بل وستأتي أقوالهم بأن ذلك من المحدثاتِ في الدين . وقد وردت أحاديثُ ضعيفةٌ وموضوعة منها :
* حديث (إذا كانت ليلة النصف من شعبان ، فقوموا ليلَها وصوموا نهارَها) رواه ابن ماجه وفي اسناده رجلٌ يضع الحديثَ هو ابنُ أبي سبرة قال عنه ابن حجر في التقريب (2/397) (رموه بالوضع) وقال الألباني في تخريج المشكاة (1308) (إسناده واه جداً) ، وقال في ضعيف الترغيب (623) موضوع .
* حديث (أتاني جبريل فقال: هذه ليلة النصف من شعبان ولله فيها عتقاءُ من النار بعدد شعورِ غنم بني  كلب) رواه البيهقي وهو ضعيفٌ جداً كما في ضعيف الترغيب (620) .
* حديث (من أحيا ليلة النصف من شعبان لم يمُت قلبُه يوم تموتُ القلوب) ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/562) وفيه متروكٌ ومجهولون.

وهناك أحاديث أخري لم تثبت والله المستعان ولذلك أنكر العلماءُ تخصيصها بقيام وهذه أقوالهم :
قال ابن باز في كتابه التحذير من البدع صـ11 (وقد ورد في فضلها – ليلة النصف من شعبان – أحاديثُ ضعيفةٌ لا يجوزُ الاعتمادُ عليها، وأما ما ورد في فضل الصلاةٍ فيها فكلُّه موضوعٌ كما نبّه على ذلك كثيرٌ من أهل العلم) ذكر ابنُ رجب في كتابه لطائف المعارف صـ145 أن قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيه شيءٌ عن النبيِّ  صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه) قال الشيخ حمّاد الأنصاري في كتابه (إسعاف الخّلان بما ورد في ليلة النصف من شعبان) (لم يثبت في قيامها وصيامها بعينها شيءٌ عن النبي ولا عن صحابته) قال العثيمين في الفتاوى (1/130) (وليلة النصف من شعبان لم يثبت عن رسولِ الله شيءٌ من تعظيمها أو أحيائها) قال على محفوظ في كتابه (الإبداع في رمضان والابتداع)  صـ373 (ومن المواسم التي نسبوها للشرع ليلةُ النصفِ من شعبان ، فإنّ السلف الصالح لم يكن لهم عادةٌ بتخصيص يوم أو ليلةٍ بالعباداتِ إلاّ ما ثبت في السُنَّةِ)

قلتُ :ممَّا سبق يتبين لنا أنه لم يثبت حديثٌ واحدٌ ولا قولُ صحابي واحدٍ في تخصيص ليلة النصف من شعبان بقيامٍ أو اجتماعٍ أو غير ذلك ، ولكن إذا قام المرءُ هذه الليلة بدون تخصيص ولا اعتقادِ فضل لها على غيرها من الليالي وإنّما مثل بقية ليالي الشهور فإن ذلك جائزٌ ومستحبٌ لقوله صلى الله عليه وسلم "ينزلُ ربُّنا تبارك وتعالي كلّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حين يبقي ثلثُ الليل الأخرِ فيقول: من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيَهُ مَنْ يستغفرني فأغفر له" متفق عليه.

4 ) ما ورد في صيام النصف من شعبان : لم يثبتْ حديث صحيحٌ في فضل صيام النصف من شعبان بخصوصه ، وقد وردت أحاديثُ ضعيفةٌ منها حديث (إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها) وقد مرَّ قبل صفحة أنه حديثٌ موضوعٌ ، ولذلك أنكر العلماءُ تخصيص يوم النصف من شعبان بصيامٍ واعتقادَ فضيلةٍ مخصوصةٍ له عن بقية الشهور والأيام . قال ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم صـ302 (أما صومُ يوم النصف من شعبان مفرداً فلا أصل له ، وكذلك اتخاذه موسماً تصنعُ فيه الأطعمةُ وتظهرُ فيه الزينةُ ، وهو من المواسم المحدثة المبتدعةِ التي لا أصل لها) قال ابن باز في كتابه التحذير من البدع صـ11 (ومن البدع التي أحدثها بعضُ الناسِ بدعةُ الاحتفال بليلة النصف من شعبان ، وتخصيصُ يومِها بالصيام ، وليس علَى ذلك دليلٌ يجوزُ الاعتماد عليه) وقال الشاطبيُّ في كتابه الاعتصام (1/36) (ومن البدعةِ التزامُ العباداتِ المعينةِ في أوقاتٍ معينةٍ لم يوجد لها ذلك التعيينُ في الشريعةِ كالتزام الصيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته)  وقال الألباني في شريط له (صيامُ النصف من شعبان وقيامُ ليلةِ النصف ، أمرانِ محدثانِ لم يكونا على عهد السلف الصالح ، والذين يستحسنون ذلك يعتمدون على حديث إسناده ضعيفٌ جداً ، يضافُ إلى ذلك أنه بالنسبة لصيام يوم النصف ثبت عندنا حديث (إذا كانَ النصفُ من شعبان فلا صوم حتى رمضان) ولا شك أن اليوم الخامس عشر هو من نصف شعبان ، فلا يجوزُ صيامه ، ولا ينبغي الاهتمام بليلةِ النصف إطلاقاً لأنه لم يصح في فضلها شيءٌ مطلقاً ولأن السلف الصالح لم ينقل عنهم هذا الاهتمام)

قلتُ : بعد أن قرأنا إنكار العلماءِ على تخصيص يوم النصف من شعبان بصيام لمن يعتقدُ فضلَه على بقية الأيام أو أنه سُنةٌ ثابتةٌ ، أما من كانَ متعوّداً لصيامِ الأيام البيض ومنها اليوم الخامس عشر أو صادف بقدر الله أن صيام الاثنين أو الخميس لمن تعوّد على صيامها ، فلا ما نع من صيامه لمن اعتاد على صيام هذه الأيام الثابت في الأحاديث الصحيحة ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم "لا يتقدّمن أحدُكم رمضان بصوم يومٍ أو يومين ، إلاّ أن يكون رجلٌ يصوم صوماً فليصم ذلك اليوم" متفقٌ عليه .


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين